التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع لأبو الحسين الملطي

باب الحرورية

بَاب الحرورية

وهم خمس وَعِشْرُونَ فرقة:
فصنف مِنْهُم: يُقَال لَهُم الْأزَارِقَة، وهم أصعب الْخَوَارِج وأشرهم فعلا وأسوأهم حَالا فسموا الْأزَارِقَة بِنَافِع بن الْأَزْرَق [صَاحب الأسئلة عَن ابْن عَبَّاس].

وَمِنْهُم صنف يُقَال لَهُم: الصفرية سمو بعبيد بن الْأَصْفَر.

وَمِنْهُم: الإباضية سموا بِعَبْد الله بن إباض.

وَمِنْهُم: النجدية سموا بنجدة [بن عَامر].

وَمِنْهُم: الشمراخية سموا بشمراخ رَأْسهمْ.

وَمِنْهُم: السّريَّة [هَكَذَا بِالْأَصْلِ].

وَمِنْهُم: العزرية سموا برأسهم ابْن عزْرَة.

وَمِنْهُم: العجردية [نِسْبَة إِلَى عبد الْكَرِيم بن عجرد].

وَمِنْهُم: التغلبية، سموا بتغلب رَأْسهمْ، كَانُوا يَقُولُونَ: الْغُلَام مُسلم أبدا حَتَّى يَبْدُو لنا مِنْهُ خُرُوج من الْإِسْلَام، وَكَيف نشْهد بالْكفْر على من يعلم من الدّين مثل مَا نعلم، وَيُؤَدِّي من الْفَرَائِض مثل مَا نُؤَدِّي، ويتولى من نتولى، ويتبرأ مِمَّا نتبرأ مِنْهُ، ويحتج على من خَالَفنَا بِمثل حجتنا وَهُوَ مَعنا فِي مجْلِس يُخَاصم خصماءنا إِذا غلبته عينه نَام ثمَّ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ: إِنِّي قد احْتَلَمت، ثمَّ حدث حَدِيثا غير ذَلِك نكفره ونستحل دَمه؟ إِنَّا إِذا لمن الظَّالِمين.

وَمِنْهُم فرقة من التغلبية: خالفتهم فِي زَكَاة العَبْد وميراثه قَالُوا: إِن عَلَيْهِ الزَّكَاة إِذا كَانَ مِنْهُم وَكَانَ مَوْلَاهُ من قومه وَإنَّهُ لَيْسَ لمَوْلَاهُ من مِيرَاثه شَيْء ثمَّ فَارَقْتهمْ وكفرت من خالفهم.

وَمِنْهُم الشكية: وَكَانَ قَوْلهم إِن أَصْحَاب الْحُدُود من أَصْحَابهم مُسلمُونَ سرقوا أَو زنوا أَو قذفوا، وَقَالُوا فِي الْقَتْلَى: نَسْتَغْفِر لَهُم ونتولاهم وَلَا نشْهد لَهُم بالنجاة لِأَن الله أعلم بسرائرهم فَلم نكلف الشَّهَادَة، فسموا أهل الشَّك وَكَفرُوا من خالفهم.

وَمِنْهُم الفضلية: وَإِنَّمَا سموا بِفضل رَأْسهمْ وَذَلِكَ أَنه فارقهم فِي الذُّنُوب فَزعم أَن كل ذَنْب صَغِيرا أَو كَبِيرا أَو قَطْرَة أَو كذبة شرك بِاللَّه سموا بذلك الفضلية وَكَفرُوا من خالفهم.

وَمِنْهُم فرقة: خالفتهم فِي تَزْوِيج الصغار.

وَمِنْهُم فرقة: خالفتهم فِي الْهدي والقلائد واستحلوها وَكَفرُوا من خالفهم، وَكَانَ سَائِرهمْ يحرمها.

وَمِنْهُم النجرانية: افْتَرَقُوا فِي امْرَأَة يُقَال لَهَا أم نَجْرَان هَاجَرت إِلَى بعض خوارجهم فَتزوّجت رجلا فِي الْهِجْرَة بِالْبَصْرَةِ من قَومهَا ثمَّ استخفت فَتزوّجت رجلا من أَصْحَابهَا سرا ثمَّ ظهر عَلَيْهَا زَوجهَا الأول من قَومهَا فقربها إِلَيْهِ فتبرأ مِنْهَا بَعضهم وتولاها بَعضهم، وَكَفرُوا من خالفهم بَعضهم بَعْضًا.

وَمِنْهُم: البيهسية، سموا بهيصم أبي بيهس [بن عَامر] رَأْسهمْ فَزعم: أَن حكم الإِمَام بِالْكُوفَةِ حكما يسْتَحق بِهِ الْكفْر فَفِي تِلْكَ السَّاعَة يكفر من كَانَ فِي حكم ذَلِك الإِمَام بخراسان والأندلس وعَلى الإِمَام إِذا أبْصر كفره فَتَابَ مِنْهُ أرسل إِلَى أهل حكمه كلهم يستتيبهم من الْكفْر وَإِن لم يشعروا بِهِ فَإِن أَبى أَن يَتُوب مِنْهُ وَقَالَ: مالي أَن أَتُوب مِمَّا لَا شكّ فِيهِ وَلم أعلم بِهِ، ضربت عُنُقه، وَكَفرُوا من خالفهم، وَمن قَوْلهم أَيْضا: لَو أَن رجلا قطر قَطْرَة خمر فِي جب فَلَا يشرب من ذَلِك الْجب أحد إِلَّا كفر وَإِن لم يشْعر لِأَن الله عز وَجل يوفق الْمُؤمنِينَ، وَزَعَمُوا: لَو أَن رجلا ضرب أَبَاهُ ألف سَوْطًا كل يَوْم كَانَ مُسلما، من شكّ فِي ذَلِك فقد كفر عِنْدهم.

وَمِنْهُم فرقة: فَارَقْتهمْ فِي شراب المسكر والنبيذ إِذا سكر فَلَا حد عَلَيْهِ يشْهد بَعضهم على بعض فِي ذَلِك بالشرك، وَكَفرُوا من خالفهم.

وَمِنْهُم فرقة: خالفتهم فِي النِّكَاح بِغَيْر شُهُود فَقَالُوا: ننكح بِشَهَادَة الْكِرَام الْكَاتِبين.

وَمِنْهُم الفديكية: وَإِنَّمَا سموا بِأبي فديك وَهُوَ الْيَوْم بِالْبَحْرَيْنِ واليمامة وَلَيْسَ بِالْبَصْرَةِ وَلَا الْكُوفَة وَلَا الجزيرة مِنْهُم أحد، وَكَانَ أَبُو فديك من أَصْحَاب نجدة ثمَّ خَالفه وفارقه وَكفر من خَالفه.

وَمِنْهُم العطوية: وَإِنَّمَا سموا بعطية.

وَمِنْهُم الجعدية: وَإِنَّمَا سموا بِمُسلم بن الْجَعْد وَكَانَ من أهل الْكُوفَة.

وَالَّذِي جَاءَ فِي الْخَوَارِج وَإِذا التقى المسلمان بسيفيهما: وأتى رجل الْحسن فَقَالَ: يَا أَبَا سعيد إِن هَؤُلَاءِ استنفروني لأقاتل الْخَوَارِج فَمَا ترى؟ فَقَالَ: إِن هَؤُلَاءِ أخرجتهم ذنُوب هَؤُلَاءِ وَأَن هَؤُلَاءِ يرسلونك تقَاتل ذنوبهم فَلَا تكن الْقَتِيل مِنْهُم فَإِن الْقَوْم أهل خُصُومَة يَوْم الْقِيَامَة، وَقَالَ خُريم:

(وَلست بِقَاتِل رجل يصلي ... على سُلْطَان آخر من قُرَيْش)

(لَهُ سُلْطَانه وعَليَّ ذنبي ... معَاذ الله من سفه وطيش)

(أأقتل مُسلما فِي غير ذَنْب ... فلست بنافعي مَا عِشْت عيشي)

وَقَالَ مَرْوَان بن الحكم لأيمن بن خُريم: أَلا تخرج تقَاتل؟ فَقَالَ: إِن أبي وعمي شَهدا بَدْرًا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وإنهما عهدا إِلَيَّ أَن لَا أقَاتل أحدا يَقُول: لَا إِلَه إِلَّا الله، فَإِن جئتني بِبَرَاءَة من النَّار، قَالَ: اخرج فَلَا حَاجَة لنا فِيك، وَأوصى أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ ابْن سلمَان العبدي فَقَالَ: أعلم أَنه من صلى الْخمس صلوَات فَإِنَّهُ يصبح فِي ذمَّة الله ويمسي فَلَا تقتلن أحدا من أهل ذمَّة الله فتخفره فِي ذمَّته فيكبك الله على منخرك فِي النَّار، وَقَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين: أُرِيد سعيد بن مَالك على الْخلَافَة فَأَهوى بِيَدِهِ إِلَى قَمِيصه فَقَالَ: مَا أَنا بِأَحَق بالخلافة مني بِكَلِمَة ذكرهَا وَمَا أَنا بِالَّذِي أقَاتل حَتَّى تأتوني بِسيف يتَكَلَّم يعرف الْمُسلم وَالْكَافِر يَقُول للْمُسلمِ: هَذَا مُسلم فَلَا تقتله وَهَذَا كَافِر فاقتله، وَلَا أبخع نفسي إِن كَانَ رجل هُوَ أفضل مني وَخير قد جاهدتُ وَأَنا أعرف الْجِهَاد.

وَقَالَ الزهري: لما خرجت الحرورية قيل لصبيغ: قد خرج قوم يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: هَيْهَات قد نفعني الله بموعظة الرجل الصَّالح، وَكَانَ عمر رَضِي الله عَنهُ ضربه حَتَّى سَالَتْ الدِّمَاء على رجلَيْهِ - أَو قَالَ: على عَقِبَيْهِ، وَقَالَ طَاوس: جَاءَ صبيغ إِلَى عمر فَقَالَ: من أَنْت؟ فَقَالَ: أَنا عبد الله صبيغ، قَالَ: فَسَأَلَهُ عَن أَشْيَاء فعاقبه وخرق كتبه وَكَتبَ إِلَى أهل الْبَصْرَة: لَا تجالسوه، وَعَن الفرزدق قَالَ: قلت لأبي سعيد الخدري: قبلنَا قوم يصلونَ صَلَاة لَا يُصليهَا أحد ويقرؤن قِرَاءَة لَا يقْرؤهَا أحد، قَالَ: فَكَانَ مُتكئا فَاسْتَوَى جَالِسا وَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: إِن قبل الْمشرق قوما يقرؤن قِرَاءَة لَا تجَاوز حُلُوقهمْ، وَقَالَ عَليّ: إِذا حدثتكم فِيمَا بيني وَبَيْنكُم فَإِن الْحَرْب خدعة وَإِذا حدثتكم عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فوَاللَّه لِأَن أخر من السَّمَاء أحب إِلَيَّ من أَن أكذب عَلَيْهِ وإني سمعته يَقُول: يخرج قوم فِي آخر الزَّمَان أَحْدَاث الْأَسْنَان سُفَهَاء الأحلام يَقُولُونَ من خير قَول الْبَريَّة لَا يُجَاوز إِيمَانهم حَنَاجِرهمْ يَمْرُقُونَ من الدّين كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية فأينما لقيتهم فاقتلهم فَإِن قَتلهمْ أجر لمن قَتلهمْ يَوْم الْقِيَامَة.

وَقَالَ أَبُو سعيد الخدري: يخرج أَقوام يقرؤن الْقُرْآن لَا يُجَاوز تراقيهم يَمْرُقُونَ من الدّين كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية ثمَّ لَا يعودون حَتَّى يعود السهْم إِلَى فوقة، التسبيد فيهم فَاشٍ، قلت: وَمَا التسبيد؟ قَالَ: لَا أعلمهُ إِلَّا نَحوا من رَأسك فَوق الْجلد وَدون الوفرة.

وَقَالَ أَبُو بكرَة: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِذا التقى المسلمان بسيفيها فَقتل أحدهما صَاحبه فالقاتل والمقتول فِي النَّار، قيل: يَا رَسُول الله هَذَا الْقَاتِل فَمَا بَال الْمَقْتُول؟ قَالَ: إِنَّه أَرَادَ قتل صَاحبه، وَقَالَ سَلمَة: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من حمل علينا السِّلَاح فَلَيْسَ منا، وَقد تقدم حَدِيث ابْن عَبَّاس وحجاجه على الْخَوَارِج فِي بَاب مِنْهُم.

وَلما خرج زُرَيْق الحروري استعرض النَّاس هُوَ وَمن مَعَه وَجَاء رجل إِلَى طَاوس من أهل الْجند فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن عليَّ غَزْوَة فِي سَبِيل الله، فَقَالَ: عنْدك هَؤُلَاءِ فاحمل على هَؤُلَاءِ الخبثاء فَإِن ذَلِك يُؤَدِّي عَنْك.

وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يخرج فِي آخر الزَّمَان قوم يقرؤون الْقُرْآن فاتحته إِلَى خاتمته لَا يُجَاوز حَنَاجِرهمْ يَمْرُقُونَ من الدّين كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية، وَقَالَ مُزَاحم بن زفر: كُنَّا بسمرقند وَعَلَيْهَا مُحَمَّد بن الْمُهلب فَخرج علينا يَوْم الْجُمُعَة رجل حروري، فَضرب رجلا من بني عجل بِالسَّيْفِ فَأخذ فَدَعَا مُحَمَّد بن الْمُهلب الضَّحَّاك بن مُزَاحم فَسَأَلَهُ فَقَالَ: أرى أَن تحبسه حَتَّى ينظر مَا يصنع الْمَضْرُوب ثمَّ نَقصه مِنْهُ فحبسه، وَكتب إِلَى يزِيد بن الْمُهلب فَكتب يزِيد إِلَى سُلَيْمَان بن عبد الْملك فَوَافَقَ الْكتاب موت سُلَيْمَان بن عبد الْملك واستخلاف عمر بن عبد الْعَزِيز فَعرض عَلَيْهِ الْكتاب فَكتب: أما بعد فَانْظُر الحروري فَإِن الْمَضْرُوب مَاتَ من ضَربته فَدَعْهُ لأوليائه يقتلونه وَإِن كَانَ بَرِيئًا فقصه مِنْهُ ثمَّ احبسه محبسا قَرِيبا من أَهله حَتَّى يَمُوت من هَوَاهُ الْخَبيث الَّذِي خرج عَلَيْهِ.

وَسَأَلَ وبرة الْحسن عَن رجل يرى رأى الْخَوَارِج وَلم يخرج قَالَ: الْعَمَل أملك بِالنَّاسِ من الرأي وَإِنَّمَا يجزى الله النَّاس بِالْأَعْمَالِ، وَقَالَ حبيب بن ثَابت: أتيت أَبَا وَائِل فِي مَسْجِد أَهله أسأله عَن هَؤُلَاءِ الَّذين قَتلهمْ عَليّ رَضِي الله عَنهُ بالنهروان فيمَ اسْتَجَابُوا لَهُ وفيم قارقوه عَلَيْهِ وفيم اسْتحق قِتَالهمْ؟ فَقَالَ: كُنَّا بصفين فَلَمَّا اسْتحرّ الْقِتَال بِأَهْل الشَّام اعتصموا بتل، فَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ لمعاوية رحمهمَا الله: ارسلْ إِلَى عَليّ رَضِي الله عَنهُ بالمصحف وادعه إِلَى كتاب الله عز وَجل فَإِنَّهُ لن يَأْبَى عَلَيْك، فَأَجَابَهُ رجل فَقَالَ: بَيْننَا وَبَيْنكُم كتاب الله عز وَجل {ألم تَرَ إِلَى الَّذين أَتَوا نَصِيبا من الْكتاب يدعونَ إِلَى كتاب الله ليحكم بَينهم ثمَّ يتَوَلَّى فريق مِنْهُم وهم معرضون} فَقَالَ عَليّ: نعم، أَنا أولى بذلك بَيْننَا وَبَيْنكُم كتاب الله، فَجَاءَتْهُ الْخَوَارِج وَنحن ندعوهم يَوْمئِذٍ وألقوا سيوفهم على عواتقهم فَقَالُوا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا نَنْتَظِر بهؤلاء الَّذين على التل لَا نمشي إِلَيْهِم بسيوفنا حَتَّى يحكم الله بَيْننَا وَبينهمْ؟ فَتكلم سهل بن حنيف فَقَالَ: أَيهَا النَّاس اتهموا أَنفسكُم فَلَقَد رَأَيْتنَا يَوْم الحديبية - يَعْنِي الصُّلْح الَّذِي كَانَ بَين رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبَين الْمُشْركين - وَلَو نرى قتالا لقاتلنا فجَاء عمر إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: أَلسنا على الْحق وهم على الْبَاطِل؟ فَقَالَ: نعم، قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجنَّة وقتلاهم فِي النَّار؟ قَالَ بلَى، قَالَ: فَلم نعط الدنية فِي ديننا وَنَرْجِع وَلما يحكم الله بَيْننَا وَبينهمْ؟ فَقَالَ: يَا ابْن الْخطاب إِنِّي رَسُول الله وَلنْ يضيعني أبدا، قَالَ: فَرجع وَهُوَ مغيظ فَلم يصبر حَتَّى أتى أَبَا بكر رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ: أَلسنا على الْحق؟ فَذكر مثل ذَلِك سَوَاء، فَقَالَ أَبُو بكر: يَا ابْن الْخطاب إِنَّه رَسُول الله وَلنْ يضيعه أبدا، قَالَ: فَنزلت سُورَة الْفَتْح فَأرْسل عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى عمر فَأَقْرَأهُ إِيَّاهَا فَقَالَ: يَا رَسُول الله أَو فتح هُوَ؟ قَالَ: نعم.

قَالَ ابْن عَبَّاس: لَيْسَ الحرورية بأشد اجْتِهَادًا من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وهم يضلون.

كتاب عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله عَنهُ:
من عبد الله بن عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى يحيى بن يحيى والعاصية الَّذين خَرجُوا، سَلام الله عَلَيْكُم، أما بعد فَإِن الله عز وَجل يَقُول: {ادْع إِلَى سَبِيل رَبك بالحكمة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن إِن رَبك هُوَ أعلم بِمن ضل عَن سَبيله وَهُوَ أعلم بالمهتدين}.

وَإِنِّي أذكركم أَن تَفعلُوا كَفعل آبائكم {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين خَرجُوا من دِيَارهمْ بطرا ورئاء النَّاس ويصدون عَن سَبِيل الله وَالله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيط}، فبذا تخرجُونَ من دينكُمْ وتسفكون الدِّمَاء وتستحلون الْمَحَارِم؟ فَلَو كَانَت ذنُوب أبي بكر وَعمر تخرج رعيتهما من دينهم كَانَت لَهَا ذنُوب فقد كَانَت آباؤكم فِي جَمَاعَتهمْ فَمَا شركتكم على الْمُسلمين وَأَنْتُم بضعَة وَأَرْبَعُونَ رجلا وَإِنِّي أقسم بِاللَّه لَو كُنْتُم أَبْكَارًا من وَلَدي وتوليتم عَمَّا دعوكم إِلَيْهِ، وَلم تجيبوا لدفعت دماءكم ألتمس بذلك وَجه الله عز وَجل وَالدَّار الْآخِرَة فَهَذَا النصح إِن أجبتم وَإِن استغششتم فقديما استغش الناصحون.

وَلما خرجت خَارِجَة من الحرورية كتب إِلَيْهِم عمر بن عبد الْعَزِيز رَحمَة الله عَلَيْهِ: أَن يأتيني مِنْكُم رجلَانِ وبيني وَبَيْنكُم كتاب الله عز وَجل، فَأتيَاهُ فخاصمهما وَقَالا: نرْجِع على أَنا نسيح فِي الأَرْض، فَأَقْسَمُوا على أَن لَا يخيفوا سَبِيلا وَلَا يهريقوا دِمَاء فَإِن فَعلْتُمْ فقد آذنتم بِالْحَرْبِ.

فساح أَحدهمَا فأهراق دِمَاء وأخاف السَّبِيل، فَبُعث إِلَيْهِ سعيد الجرشِي فِي أهل الْكُوفَة فَقَتَلُوهُ وَقتلُوا أَصْحَابه.

وَقَالَ حسان بن فروخ: سَأَلَني عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله عَنهُ عَمَّا تَقول الْأزَارِقَة؟ فَأَخْبَرته، فَقَالَ: مَا يَقُولُونَ فِي الرَّجْم؟ فَقلت: يكفرون بِهِ، فَقَالَ: الله أكبر كفرُوا بِاللَّه وَبرَسُوله.

وَحدث أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما رجم مَاعِز بن مَالك فَلَمَّا أَصَابَته الْحِجَارَة صرخَ فَقَالَ بعض الْقَوْم: أبعده الله، فزجره عَلَيْهِ السَّلَام وَقَالَ: إِنَّهَا كَفَّارَة لَهُ.

باب ذكر القدرية ونعتهم ومذاهبهم واعتقادهم

بَاب ذكر الْقَدَرِيَّة ونعتهم ومذاهبهم واعتقادهم

وَأما الْقَدَرِيَّة فهم سبع فرق وهم أَصْنَاف:
فصنف مِنْهُم يَزْعمُونَ: أَن الْحَسَنَات وَالْخَيْر من الله وَالشَّر والسيئات من أنفسهم لكي لَا ينسبوا إِلَى الله شَيْئا من السَّيِّئَات والمعاصي، ويتكلمون بأَشْيَاء لَا أستجيز ذكرهَا، تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا.

هَذَا وَالله تَعَالَى يَقُول: {سَيَقُولُ الَّذين أشركوا لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء كَذَلِك كذب الَّذين من قبلهم حَتَّى ذاقوا بأسنا قل هَل عنْدكُمْ من علم فتخرجوه لنا إِن تتبعون إِلَّا الظَّن وَإِن أَنْتُم إِلَّا تخرصون قل فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ}، وَقَالَ: {وَنَفس وَمَا سواهَا فألهمها فجورها وتقواها} وَقَالَ: {وَمَا تسْقط من ورقة إِلَّا يعلمهَا وَلَا حَبَّة فِي ظلمات الأَرْض وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين} وَقَالَ: {وقضينا إِلَى بني إِسْرَائِيل فِي الْكتاب لتفسدن فِي الأَرْض مرَّتَيْنِ ولتعلن علوا كَبِيرا} وَقَالَ: {إِن الْمُجْرمين فِي ضلال وسعر يَوْم يسْحَبُونَ فِي النَّار على وُجُوههم ذوقوا مس سقر إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر} وَقَوله {أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين} وَقَوله {إِن هِيَ إِلَّا فتنتك} وَقَالَ: {وَإِن من قَرْيَة إِلَّا نَحن مهلكوها قبل يَوْم الْقِيَامَة أَو معذبوها عذَابا شَدِيدا كَانَ ذَلِك فِي الْكتاب مسطورا} وَقَالَ: {إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم أَنْتُم لَهَا وَارِدُونَ لَو كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَة مَا وردوها وكل فِيهَا خَالدُونَ} وَقَالَ: {فَالتقى المَاء على أَمر قد قدر} أَي قد كَانَ قدر قبل الْبلَاء، وَقَالَ: {وَمَا تشاءون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين} وَقَالَ: {وكل إِنْسَان ألزمناه طَائِره فِي عُنُقه وَنخرج لَهُ يَوْم الْقِيَامَة كتابا يلقاه منشورا} وَقَالَ: {يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه} وَقَالَ: {هُوَ الَّذِي خَلقكُم فمنكم كَافِر ومنكم مُؤمن} وَقَالَ: {كَمَا بَدَأَكُمْ تعودُونَ} وَفِي الْقُرْآن مثل هَذَا كثير، وَقد قدمت قبل هَذَا شَيْئا عِنْد ذكر خلَافَة عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ في كتابنا هذا.

وَقد خرج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبِيَدِهِ مخصرة - والمخصرة هِيَ مَا أمسك الْإِنْسَان بِيَدِهِ من عصاة أَو عكاز أَو غَيره وَمِنْه أَن يمسك الرجل بيد صَاحبه فَيُقَال: فلَان مخاصر فلَان، يَعْنِي آخذ بِيَدِهِ، وَالرجل يصلي مُخْتَصرا لَيْسَ من هَذَا إِنَّمَا ذَلِك أَن يُصَلِّي وَهُوَ وَاضع يَده على خصره.

وَقد تقدم ذكر الحَدِيث، لما غُشي على عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ظنُّوا أَن نَفسه قد خرجت فَلَمَّا أَفَاق قَالَ: غُشي عليَّ؟ قَالُوا: نعم، قَالَ: صَدقْتُمْ، إِنَّه أَتَانِي ملكان فِي غشيتي هَذِه فَقَالُوا: انْطلق نخاصمك إِلَى الْعَزِيز الْأمين، قَالَ: فلقيهما ملك فَقَالَ: ردُّوهُ فَإِن هَذَا مِمَّن كتبت لَهُم السَّعَادَة وهم فِي بطُون أمهاتهم وسيمتع الله بِهِ نبيه، فَعَاشَ شهرا ثمَّ مَاتَ.

وَقَالَ الْحسن: من كذب بِالْقدرِ فقد كذب بِالْقُرْآنِ، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: الْعَجز والكيس بِالْقدرِ، وَجَاء رجل إِلَى ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا فَقَالَ: إِن فلَانا يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام، قَالَ: بَلغنِي أَنه قد أحدث فَإِن كَانَ قد أحدث فَلَا تقْرَأ عَلَيْهِ السَّلَام فَإِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: يكون فِي هَذِه الْأمة خسف وَقذف وَذَلِكَ فِي أهل الْقدر.

وَلما دخل غيلَان إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز سَأَلَهُ عَن أَمر النَّاس فَأخْبرهُ صلاحا فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: وَيحك يَا غيلَان مَا هَذَا الَّذِي بَلغنِي عَنْك؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَتكَلّم فَتسمع؟ قَالَ: تكلم، فَقَرَأَ {هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين من الدَّهْر لم يكن شَيْئا مَذْكُورا إِنَّا خلقنَا الْإِنْسَان من نُطْفَة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بَصيرًا إِنَّا هديناه السَّبِيل إِمَّا شاكرا وَإِمَّا كفورا} فَقَالَ عمر: وَيحك من هَهُنَا تَأْخُذ الْأَمر وَتَدَع بَدْء خلق آدم عَلَيْهِ السَّلَام {وَإِذ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة إِنِّي عَاجل فِي الأَرْض خَليفَة قَالُوا أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك ونقدس لَك قَالَ إِنِّي أعلم مَا لَا تعلمُونَ وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا ثمَّ عرضهمْ على الْمَلَائِكَة فَقَالَ أنبئوني بأسماء هَؤُلَاءِ إِن كُنْتُم صَادِقين قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا إِنَّك أَنْت الْعَلِيم الْحَكِيم قَالَ يَا آدم أنبئهم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أنبأهم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ ألم أقل لكم إِنِّي أعلم غيب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأعلم مَا تبدون وَمَا تكتمون} فَقَالَ غيلَان: وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لقد جئْتُك ضَالًّا فهديتني وأعمى فبصرتني وجاهلا فعلمتني وَالله لَا أَتكَلّم فِي شَيْء من هَذَا الْأَمر أبدا، فَقَالَ عمر: وَالله لَئِن بَلغنِي أَنَّك تَكَلَّمت فِي شَيْء مِنْهُ لأجعلنك للنَّاس أَو للْعَالمين نكالا، فَلم يتَكَلَّم فِي شَيْء حَتَّى مَاتَ عمر رَحمَه الله فَلَمَّا مَاتَ عمر سَالَ فِيهِ سيل المَاء أَو سيل الْبَحْر، وَنهى الصالحون أَن يَقُول الرجل: لَوْلَا كَذَا لفَعَلت كَذَا، فافهموا فَإِنَّهُ من الْخَفي الَّذِي يغلط فِيهِ النَّاس.

وَقَالَ عبد الله بن مَسْعُود: وَالله لقد قسم الله هَذَا الْفَيْء لهَذِهِ الْأمة على لِسَان نبيه قبل أَن يفتح فَارس وَالروم، وَقَالَ أَيْضا رَضِي الله عَنهُ: مَا كَانَ كفر بعد نبوة إِلَّا كَانَ مفتاحه تَكْذِيبًا بِالْقدرِ.

وَذكر عِنْد عبد الله سعيد بن الْمسيب: أَن أَقْوَامًا يَقُولُونَ: إِن الله قدر كل شَيْء مَا خلا الْأَعْمَال، فَغَضب سعيد غَضبا شَدِيدا حَتَّى هم بِالْقيامِ ثمَّ سكن فَقَالَ: تكلمُوا بِهِ أما وَالله لقد سَمِعت فيهم حَدِيثا كفاهم بِهِ شرا ويحهم لَو يعلمُونَ، قيل لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّد مَا هُوَ؟ فَقَالَ: حَدثنِي رَافع بن خديج أَنه سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: يكون قوم من أمتِي يكفرون بِاللَّه وَبِالْقُرْآنِ وهم لَا يَشْعُرُونَ، كَمَا كفرت الْيَهُود وَالنَّصَارَى، قَالَ: قلت: جعلت فدَاك يَا رَسُول الله وَكَيف ذَلِك؟ قَالَ: يقرونَ بِبَعْض الْقدر ويكفرون بِبَعْضِه، قلت: وَمَا يَقُولُونَ؟ قَالَ: يجْعَلُونَ إِبْلِيس عَدو الله شَرِيكا لله فِي خلقه وقوته ورزقه يَقُولُونَ: إِن الْخَيْر من الله وَالشَّر من إِبْلِيس، فيقرءون على ذَلِك كتاب الله فيكفرون بِالْقُرْآنِ بعد الْإِيمَان والمعرفة فَمَاذَا تلقى أمتِي مِنْهُم من الْعَدَاوَة والبغضاء والجدل، أُولَئِكَ زنادقة هَذِه الْأمة فِي زمانهم ثمَّ يكون ظلم السُّلْطَان فياله من ظلم وحيف وأثرة ثمَّ يبْعَث الله عز وَجل عَلَيْهِم طاعونا فيفنى عامتهم ثمَّ يكون الْخَسْف فَمَا أقل من ينجو مِنْهُم الْمُؤمن يَوْمئِذٍ قَلِيل فرحه شَدِيد غمه ثمَّ يكون المسخ فيمسخ الله عَامَّة أُولَئِكَ قردة وَخَنَازِير ثمَّ يخرج الدَّجَّال على أثر ذَلِك قَرِيبا، ثمَّ بَكَى رَسُول الله فبكينا لبكائه وَقُلْنَا: مَا يبكيك يَا رَسُول الله؟ قَالَ: رَحْمَة لَهُم الأشقياء لِأَن فيهم المتعبد وَفِيهِمْ المتهجد مَعَ أَنهم لَيْسُوا بِأول من سبق إِلَى هَذَا القَوْل وضاق بِحمْلِهِ ذرعا إِن عَامَّة من هلك من بني إِسْرَائِيل بالتكذيب بِالْقدرِ، قلت: جعلت فدَاك يَا رَسُول الله قل لي: كَيفَ الْإِيمَان بِالْقدرِ؟ قَالَ: تؤمن بِاللَّه وَحده وَإنَّهُ لَا يملك أحدا مَعَه ضرا وَلَا نفعا وتؤمن بِالْجنَّةِ وَالنَّار وَتعلم أَن الله خلقهما قبل خلق الْخلق ثمَّ خلق الْخلق فَجعل من شَاءَ مِنْهُم إِلَى الْجنَّة وَمن شَاءَ مِنْهُم إِلَى النَّار عدلا ذَلِك مِنْهُ وكل يعْمل لما قد فرغ لَهُ مِنْهُ وَهُوَ صائر إِلَى مَا قد خلق لَهُ، قلت: صدق الله وَرَسُوله.

وَعَن ابْن عَبَّاس: إِن الله عز وَجل أول مَا خلق الْقَلَم ثمَّ خلق النُّون وَهِي الدواة ثمَّ خلق اللَّوْح ثمَّ قَالَ للقلم: اكْتُبْ، فَقَالَ: وَمَا اكْتُبْ يَا رب؟ قَالَ: اكْتُبْ الْقدر، وَخلق الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَمَا يكون فِي الدُّنْيَا من خلق مَخْلُوق أَو عمل مَعْمُول من بر أَو فجور أَو رزق حَلَال أَو حرَام أَو رطب أَو يَابِس ثمَّ ألزم كل شَيْء من ذَلِك شَأْنه وَمَا بَقَاؤُهُ وَمَا فناؤه حَتَّى تفنى الدُّنْيَا ثمَّ جعل لذَلِك الْكتاب مَلَائِكَة وَجعل لِلْخلقِ مَلَائِكَة فَينْطَلق مَلَائِكَة الْخلق إِلَى مَلَائِكَة الْكتاب فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ انسخ بِمَا هُوَ كَائِن فِي اللَّيْل وَالنَّهَار وَبِمَا وكلوا بِهِ، فيهبط مَلَائِكَة الْخلق إِلَى الْخلق فيحفظونهم بِأَمْر الله ويسوقونهم إِلَى مَا فِي أَيْديهم من تِلْكَ النّسخ فَإِذا فنيت تِلْكَ النّسخ لم يكن لهَذَا الْخلق بَقَاء وَلَا مقَام وَذَلِكَ قَول الله عز وَجل: {إِنَّا كنا نَسْتَنْسِخ مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ} فَقَالَ رجل لِابْنِ عَبَّاس: وَالله مَا كُنَّا نرى ذَلِك إِلَّا نسخ أَعمالنَا، قَالَ ابْن عَبَّاس: أَلا تستحيون ألستم قوما عربا هَل كَانَت النّسخ قطّ إِلَّا من كتاب مَكْتُوب؟ فوَاللَّه إِن الله عز وَجل ليَبْعَث الْملك فَيدْفَع إِلَيْهِ صحيفتان إِن إِحْدَاهمَا لمختومة وَالْأُخْرَى المنشورة فَيُقَال لَهُ: اكْتُبْ فِي هَذِه، وَلَا تفتح المختومة، وَلَا تكسر لَهَا خَاتمًا، فَإِذا صَعد فك الْخَاتم ثمَّ عَارض فَلَا يُغَادر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة وَذَلِكَ قَوْله عز وَجل: {وَمَا تسْقط من ورقة إِلَّا يعلمهَا وَلَا حَبَّة فِي ظلمات الأَرْض وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين} وَعَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لَا تجالسوا أهل الْقدر وَلَا تفاتحوهم، وَقَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْها: أُوتى رَسُول الله بصبي من الْأَنْصَار ليُصَلِّي عَلَيْهِ، قَالَت: فَقلت: طُوبَى لَهُ عُصْفُور من عصافير الْجنَّة لم يعْمل شرا وَلَا يدره، قَالَ: أَو غير ذَلِك يَا عَائِشَة إِن الله خلق الْجنَّة وَجعل لَهَا أَهلا وهم فِي أصلاب آبَائِهِم.

وَعَن ابْن عَبَّاس: {يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت}، قَالَ: الشَّقَاء والسعادة والحياة وَالْمَوْت، وَعَن الْحسن بن عَليّ قَالَ: رفع الْكتاب وجف الْقَلَم، وَأُمُور تُقضى فِي كتاب قد خلا.

وَقَالَ أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ: خلق الله تَعَالَى الْخلق فَكَانُوا فِي قَبضته فَقَالَ لمن فِي يَمِينه: أدخلُوا الْجنَّة بِسَلام، وَقَالَ لمن فِي يَده الْأُخْرَى: أدخلُوا النَّار وَلَا أُبَالِي، قَالَ: فَذَهَبت إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.

قَالَ عمر بن ذَر: دخلت على عمر بن عبد الْعَزِيز وَسَأَلنَا عَن قبائلنا ثمَّ تكلم رجل منا فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَشهد شَهَادَة الْحق فَقَالَ عمر: إِن الله كَمَا شهِدت وكما عظمت وَلَكِن لَو حمل خلقه من حَقه بِقدر عَظمته لم يحمل ذَلِك سَمَاء وَلَا ارْض وَلَا جبل وَلَكِن أَرَادَ بعباده الْيُسْر وَرَضي مِنْهُم بِالتَّخْفِيفِ فَفرض عَلَيْهِم فِي كل يَوْم وَلَيْلَة خمس صلوَات وَفِي كل عَام صِيَام شهر، وَذكر مَا شَاءَ الله من الْفَرَائِض وَقَالَ: ذَلِك فِي آيَة من كتاب الله عقلهَا من عقلهَا وجهلها من جهلها ثمَّ قَرَأَ {فَإِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ} أَي من دون الله {مَا أَنْتُم عَلَيْهِ بفاتنين إِلَّا من هُوَ صال الْجَحِيم} وَكَانَ منا رجل يرى رأي الْقدر بِخِلَاف مَا تكلم بِهِ.

وَقَالَ ابْن مَسْعُود: لَا يرى رجل طعم الْإِيمَان حَتَّى يُؤمن بِالْقدرِ أَنه ميت ومبعوث من بعد الْمَوْت، قَالَ ابْن عَبَّاس: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة أَمر الله مناديا فَنَادَى: أَيْن خصماء الله؟ فَيقومُونَ مسودة وُجُوههم مزرقة أَعينهم مَا يَلِي شفاههم يسيل لعابهم ويقذرهم من يراهم فَيَقُولُونَ: رَبنَا وَالله مَا عَبدنَا شمسا وَلَا قمرا وَلَا حجرا وَلَا وثنا، قَالَ ابْن عَبَّاس: صدقُوا وَالله لقد أَتَاهُم الشّرك من حَيْثُ لَا يعلمُونَ، ثمَّ تَلا ابْن عَبَّاس {يَوْم يَبْعَثهُم الله جَمِيعًا فَيحلفُونَ لَهُ كَمَا يحلفُونَ لكم وَيَحْسبُونَ أَنهم على شَيْء أَلا إِنَّهُم هم الْكَاذِبُونَ} قَالَ ابْن عَبَّاس: هم وَالله القدريون، ثَلَاث مَرَّات.

وَعَن بجير بن عبيد الله عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: يكون فِي آخر أمتِي قوم يكذبُون بِالْقدرِ عَلَيْهِم مسوك الكباش قُلُوبهم قُلُوب الذئاب الضواري وبعزة رَبِّي وجلاله لَو أَن لكل وَاحِد مِنْهُم مثل أحد ذَهَبا وَفِضة مُنْقَطِعَة فأنفقها فِي سَبِيل الله مَا تقبل مِنْهُ حَتَّى يُؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره حلوه ومره، أَلَّا فَلَا تُجَالِسُوهُمْ فيشركون بِاللَّه فتشركوا مَعَهم {فيسبوا الله عدوا بِغَيْر علم} هَكَذَا قَرَأَهَا ابْن سَلام، وَإِن غَابُوا فَلَا تفتقدونهم وَإِن مرضوا فَلَا تعودوهم، وَإِن مَاتُوا فَلَا تشيعوهم شيعَة الدَّجَّال حق على الله أَن يلحقهم بِهِ وَهُوَ مجوس هَذِه الْأمة،

وَقَالَ ابْن مَسْعُود: يجْتَمع النَّاس فِي صَعِيد وَاحِد يسمعهم الدَّاعِي وَينْفذهُمْ الْبَصَر أَلَّا وَإِن الشقي من شقي فِي بطن أمه، وَأَحْسبهُ قَالَ: والسعيد من وعظ بِغَيْرِهِ، قَالُوا: يَا أَبَا وَائِل مَا تَقول فِي الْحجَّاج؟ قَالَ: سُبْحَانَ الله أَنَحْنُ نحكم على الله.

وَعَن ابْن عَبَّاس قَوْله: {وَإِنَّا لموفوهم نصِيبهم غير مَنْقُوص} قَالَ: مَا قدر لَهُم من خير وَشر، قَالَ عَليّ بن شَدَّاد: دخلت مَعَ ابْن عمر إِلَى السُّوق فَكَانَ أَكثر كَلَامه مَعَ من لَقِي: سَلام عَلَيْكُم نَعُوذ بِاللَّه من قدر السوء، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لن يُؤمن من لم يُؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره، وَقَالَ عبد الله بن عمر: سَمِعت رَسُول الله يَقُول: من شرب الْخمر لم يقبل لَهُ أَرْبَعِينَ صباحا فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ، فَلَا أدري فِي الثَّالِثَة أَو الرَّابِعَة قَالَ: حَقًا على الله أَن يسْقِيه من ردغة الخبال يَوْم الْقِيَامَة، قَالَ: وسمعته يَقُول عَلَيْهِ السَّلَام: إِن الله خلق خلقه فِي ظلمَة فَألْقى عَلَيْهِم من نوره فَمن أَصَابَهُ من النُّور يَوْمئِذٍ اهْتَدَى وَمن أخطأه ضل فَلذَلِك أَقُول: جف الْقَلَم على علم الله، قَالَ: وسمعته عَلَيْهِ السَّلَام يَقُول: إِن سُلَيْمَان بن دَاوُد سَأَلَ الله تبَارك وَتَعَالَى ثَلَاثًا فَأعْطَاهُ اثْنَتَيْنِ وَأَنا أَرْجُو أَن يكون قد أعطَاهُ الثَّالِثَة سَأَلَ الله حكما يُصَادف حكمه فَأعْطَاهُ وَسَأَلَهُ ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعده فَأعْطَاهُ إِيَّاه وَسَأَلَهُ أَيّمَا رجل خرج من بَيته لَا يُرِيد إِلَّا الصَّلَاة فِي هَذَا الْمَسْجِد يَعْنِي بَيت الْمُقَدّس إِلَّا خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَنحن نرجو أَن يكون الله قد أعطَاهُ إِيَّاه، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَا يفتنون {إِلَّا من هُوَ صال الْجَحِيم}، وَقَالَ مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا بعث الله نَبيا قطّ إِلَّا كَانَ فِي أمته من بعده قدرية ومرجئة يشوشون عَلَيْهِ أَمر أمته أَلا إِن الله لعن الْقَدَرِيَّة والمرجئة.

وَقَالَ عبَادَة بن الصَّامِت: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يكون فِي أمتِي رجلَانِ أَحدهمَا وهب وهَبَ الله لَهُ الْحِكْمَة، وَالْآخر غيلَان فتْنَة على هَذِه الْأمة أَشد من فتْنَة الشَّيْطَان، وَسَأَلت عَائِشَة رَحْمَة الله عَلَيْهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ولدان الْمُسلمين أَيْن هم يَوْم الْقِيَامَة؟ قَالَ: فِي الْجنَّة يَا عَائِشَة، فَقَالَت لَهُ مجيبة: يَا رَسُول الله لم يدركوا الْأَعْمَال وَلم تجر عَلَيْهِم الأقلام، قَالَ: رَبك أعْلَم بِمَا كَانُوا عاملين، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَئِن شِئْت لأسمعتك تضاغينهم فِي النَّار.

وَمن الْقَدَرِيَّة صنف يُقَال لَهُم: المفوضة زَعَمُوا أَنهم موكلون إِلَى أنفسهم إِنَّهُم يقدرُونَ على الْخَيْر كُله بالتفويض الَّذِي يذكرُونَ دون توفيق الله وهداه، تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا، وَالله جلّ من قَائِل يَقُول: {وَمَا تشاؤن إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين} مَعْنَاهُ من خير إِلَّا أَن يَشَاء الله لكم، وَقَول جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام: إِنِّي لأرسل فِي الْأَمر فأجد الْكَوْن قد سبقني إِلَيْهِ.

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَن الله عز وَجل جعل إِلَيْهِم الِاسْتِطَاعَة تَاما كَامِلا لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى أَن يزدادوا فِيهِ فاستطاعوا أَن يُؤمنُوا وَأَن يكفروا ويأكلوا ويشربوا ويقوموا ويقعدوا ويرقدوا ويستيقظوا وَأَن يعملوا مَا أَرَادوا، وَزَعَمُوا أَن الْعباد كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ أَن يُؤمنُوا وَلَوْلَا ذَلِك مَا عذبهم على مَا لا يَسْتَطِيعُونَ إِلَيْهِ.

وَعَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله إكذابا لَهُم {فَمن شَاءَ فليؤمن وَمن شَاءَ فليكفر} يَقُول: من شَاءَ لَهُ الْإِيمَان آمن وَمن شَاءَ لَهُ الْكفْر كفر، وَهُوَ قَوْله: {وَمَا تشاءون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين}، وَقَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {قد أَفْلح من زكاها وَقد خَابَ من دساها} قد أفلح من زكى الله نَفسه وَقد خَابَ من دسى الله نَفسه فأضله.

وَقَالَ أَيْضا فِي قَوْله: {يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه} يَقُول: بَين الْمُؤمن وَالْكفْر ويحول بَين الْكَافِر وَالْإِيمَان.

وَعَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {كَمَا بَدَأَكُمْ تعودُونَ} قَالَ: إِن الله سُبْحَانَهُ بَدَأَ بخلق ابْن آدم مُؤمنا وكافرا كَمَا قَالَ عز وَجل {هُوَ الَّذِي خَلقكُم فمنكم كَافِر ومنكم مُؤمن} ثمَّ يعيدهم سُبْحَانَهُ يَوْم الْقِيَامَة كَمَا بَدَأَ خلقهمْ مُؤمنا وكافرا.

وَمِنْهُم صنف شبيبية: فَهَؤُلَاءِ أَيْضا أَنْكَرُوا أَن يكون الْعلم سَابِقًا على مَا الْعباد عاملون وَمَا هم إِلَيْهِ صائرون.

كذب أَعدَاء الله، قَالَ ابْن مَسْعُود: حَدثنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الصَّادِق المصدْق: إِن خلق أحدكُم يجمع فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ يكون علقَة مثل ذَلِك ثمَّ يكون مُضْغَة مثل ذَلِك ثمَّ يُؤمر الْملك بِأَرْبَع فَيكْتب رزقه وأجله وشقي أَو سعيد، وَإِن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى لَا يكون بَينه وَبَينهَا غير ذِرَاع فيغلب عَلَيْهِ الْكتاب الَّذِي قد سبق فَيعْمل بِعَمَل أهل النَّار فَيدْخل النَّار، وَإِن أحدكم ليعْمَل بِعَمَل أهل النَّار حَتَّى لَا يكون بَينه وَبَينهَا غير ذِرَاع فيغلب عَلَيْهِ الْكتاب الَّذِي سبق فَيعْمل بِعَمَل أهل الْجنَّة فَيكون من أهل الْجنَّة.

وَمِنْهُم صنف: أَنْكَرُوا أَن الله عز وَجل خلق ولد الزِّنَا أَو قدره أَو شاءه أَو علمه، تَعَالَى الله عَمَّا قَالُوا، وأنكروا أَن يكون الرجل الَّذِي سرق فِي عمره كُله أَو يَأْكُل الْحَرَام أَن يكون ذَلِك رزق الله عز وَجل وَقَالُوا: لم يرزقه الله رزقا قطّ إِلَّا حَلَالا، تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا.

هَذَا وَابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: الزِّنَا بِقدر وَالسَّرِقَة بِقدر وَشرب الْخمر بِقدر، وَقَالَ مطرف بن عبيد الله بن الشخير: يَا ابْن آدم لم توكل إِلَى الْقدر وَإِلَيْهِ تصيرون.

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَن الله عز وَجل وَقت لَهُم الأرزاق والآجال لوقت مَعْلُوم فَمن قتل قَتِيلا فقد أعجله عَن أَجله ورزقه لغير أَجله وَبَقِي لَهُ من الرزق مَا لم يستوفه وَلم يستكمله، تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا، فَهَذَا إِجْمَاع كَلَام الْقَدَرِيَّة.

قَالَ يزِيد الرقاشِي: قلت لِلْحسنِ: إِنَّك تَقول: من قتل فقد أعجل، فَقَالَ: إِن كنت قلت فأستغفر الله.

وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: صنفان من أمتِي لَيْسَ لَهما فِي الْإِسْلَام نصيب: المرجئة والقدرية.

وَقَالَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لَا تجالسوا أهل الْبدع وَلَا تصافحوهم، وَقَالَ: لِأَن أصلي خلف جيفة حمَار أحب إِلَيَّ من أَن أصلي خلف قدري مَا هُوَ إِلَّا جُنُون يعتريهم.

وَقَالَ طَاوس: كنت جَالِسا عِنْد ابْن عَبَّاس ومعنا رجل من الْقَدَرِيَّة فَقلت: إِن نَاسا يَقُولُونَ: لَا قدر، فَقَالَ: أههنا مِنْهُم أحد؟ قلت: لَو كَانَ فيهم مَا كنت تصنع بِهِ؟ قَالَ: لَو كَانَ فيهم أحد لأخذت بِرَأْسِهِ فَقَرَأت عَلَيْهِ آيَة كَذَا وَآيَة كَذَا {وقضينا إِلَى بني إِسْرَائِيل فِي الْكتاب لتفسدن فِي الأَرْض مرَّتَيْنِ ولتعلن علوا كيبرا}.

وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: سِتَّة لعنتهم، لعنهم الله وكل نبي مجاب: الزَّائِد فِي كتاب الله عز وَجل والمكذب بِالْقدرِ والمتسلط بالجبروت ليذل من أعزه الله ويعز من أذله الله، والتارك لسنتي، والمستحل من عترتي مَا حرم الله.

قَالَ أبو هُرَيْرَة: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لعن الله أهل الْقدر الَّذين يكذبُون بِقدر وَلَا يُؤمنُونَ بِقدر أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر، وَقَالَ عز وَجل: {وَإِن من قَرْيَة إِلَّا نَحن مهلكوها قبل يَوْم الْقِيَامَة أَو معذبوها عذَابا شَدِيدا كَانَ ذَلِك فِي الْكتاب مسطورا}، وَقَوله: {وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ} وَلَا أخذُوا بقول أهل النَّار حِين دخلوها فَقَالُوا: {رَبنَا غلبت علينا شِقْوَتنَا وَكُنَّا قوما ضَالِّينَ} وَلَا أخذُوا بقول إِبْلِيس - أجارنا الله مِنْهُ - إِذْ يَقُول: {فبعزتك لأغوينهم أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين} يَقُول: من أخلصه الله فَلَا سَبِيل لي عَلَيْهِ، وَإِن الله عز وَجل نهى آدم عَن أكل الشَّجَرَة وأعانه عَلَيْهَا وَأمر إِبْلِيس بِالسُّجُود وَحَال بَينه وَبَين ذَلِك.

باب ذكر الروافض وأجناسهم ومذاهبهم

بَاب ذكر الروافض وأجناسهم ومذاهبهم

قَالَ أَبُو الْحُسَيْن الملطي رَحْمَة الله عَلَيْهِ: قد ذكرت الإمامية وَالرَّدّ عَلَيْهَا إِلَّا أَن أَبَا عَاصِم قَالَ: الرافضة خَمْسَة عشر صنفا ثمَّ تفترق على مَا يمقتهم الله فروعا كَثِيرَة.

فَمنهمْ صنف زَعَمُوا: أَن عليا إِلَه من دون الله تَعَالَى وَإِنَّمَا هُوَ روح رُمي فِي الْجَسَد كَقَوْل النَّصَارَى فِي عِيسَى ابْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام زَعَمُوا أَنه إِلَه، تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا.

قَالَ أَبُو الْحُسَيْن: قد ذكرت فِي هَذَا الْكتاب حَدِيث الشعبي وَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ فِيهِ فَلَمَّا نفاهم عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام عَن الْبِلَاد فَمنهمْ عبد الله بن سبأ يهودي من يهود صنعاء نَفَاهُ إِلَى ساباط وَأَبُو الكردوس نَفَاهُ إِلَى الْجَابِيَة.

وَمِنْهُم صنف يُقَال لَهُم: البيانية وَإِنَّمَا سموا البيانية بِبَيَان قَالُوا: إِن عليا يعلم الْغَيْب وَيعلم مَا فِي الْغَد وَمَا تشْتَمل عَلَيْهِ الْأَرْحَام من الْأَوْلَاد وَمَا يغيب النَّاس فِي بُيُوتهم وَالْأَئِمَّة يعلمُونَ ذَلِك كَمَا علمه عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام، كذب أَعدَاء الله وَكَيف يكون ذَلِك وَالله تَعَالَى يَقُول: {قل لَا يعلم من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض الْغَيْب إِلَّا الله} وَقَالَ عمر: قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: مَفَاتِيح الْغَيْب خمس: {إِن الله عِنْده علم السَّاعَة وَينزل الْغَيْث وَيعلم مَا فِي الْأَرْحَام وَمَا تَدْرِي نفس مَاذَا تكسب غَدا وَمَا تَدْرِي نفس بِأَيّ أَرض تَمُوت إِن الله عليم خَبِير} وَقَالَ ابْن عمر: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَفَاتِيح الْغَيْب خمس لَا يعلمهُنَّ إِلَّا الله لَا يعلم مَتى السَّاعَة إِلَّا الله وَلَا يعلم مَتى ينزل الْغَيْث إِلَّا الله، الحَدِيث.

وَقَالَ ابْن مَسْعُود: أُوتى نَبِيكُم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَفَاتِيح كل شَيْء إِلَّا الْخمس وَقَرَأَ هَذِه الْآيَة {إِن الله عِنْده علم السَّاعَة وَينزل الْغَيْث وَيعلم مَا فِي الْأَرْحَام وَمَا تَدْرِي نفس مَاذَا تكسب غَدا وَمَا تَدْرِي نفس بِأَيّ أَرض تَمُوت إِن الله عليم خَبِير}.

وَقَالَ عَلْقَمَة بن قيس: مثل عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام فِي هَذِه الْأمة كَمثل عِيسَى بن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام يهْلك فِيهِ رجلَانِ محب مفرط ومبغض مفرط، وَقَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ: ليحبني أَقوام حَتَّى يدخلهم حبي النَّار، وليبغضني أَقوام حَتَّى يدخلهم بغضي النَّار، وَقَالَ أَيْضا: يهْلك فِيَّ رجلَانِ محب مفرط ومبغض مفتر، وَقَالَ أَيْضا: يقتل فِي آخر الزَّمَان كل عَليّ وَأبي عَليّ وكل حسن وَأبي حسن وَذَلِكَ إِذا أفرطوا فِي حبي كَمَا أفرطت النَّصَارَى فِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام فانتابوا ولدي وأطاعوهم طلبا للدنيا، وَقَالَ الشعبي: لقد غلت هَذِه الشِّيعَة فِي عَليّ كَمَا غلت النَّصَارَى فِي عِيسَى لقد بغضوا إِلَيْنَا حَدِيثه.

وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن رَحمَه الله: أَلا ترى أَن الله عز وَجل أنزل على نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: {قل لَا أَقُول لكم عندي خَزَائِن الله وَلَا أعلم الْغَيْب وَلَا أَقُول لكم إني ملك إِن أتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ، قل هَل يستوي الْأَعْمَى والبصير أَفلا تتفكرون}، فَكيف يعلم الْغَيْب من هَذَا قَوْله؟

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَن عليا نبي مَبْعُوث يُقَال لَهُم الجمهورية، وَزَعَمُوا أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام إِنَّمَا بعث إِلَى عَليّ فغلط بِمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأُمر بتنفيذ غلطه، كذب أَعدَاء الله لَو كَانَ أرسل إِلَى عَليّ لَكَانَ سبق جِبْرِيل، وَجِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام لَا يغلط لِأَن الْكَوْن سبق فِي أم الْكتاب وَلم تزل الدلالات بَائِنَة فِي مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُنْذُ ولد وَقبل أَن يُولد فِي التَّوْرَاة والإنجيل والْآثَار، وهذا جبريل يَقُول: إني ليوحي إِلَيَّ الْأَمر لأمضيه فآتيه فأجد الْكَوْن قد سبقني إِلَيْهِ، وَكَيف يتَوَهَّم على جِبْرِيل الْغَلَط وَهُوَ رَسُول رب الْعَالمين؟ وَقيل لِابْنِ عَبَّاس: إِن نَاسا يَزْعمُونَ أَن عليا مَبْعُوث قبل يَوْم الْقِيَامَة، فَسكت سَاعَة ثمَّ قَالَ: بئس الْقَوْم، عليٌ نَكَحْنَا نِسَاءَهُ وَقَسمنَا مِيرَاثه أما يقرؤن: {ألم يرَوا كم أهلكنا قبلهم من الْقُرُون أَنهم إِلَيْهِم لَا يرجعُونَ} وَقد ذكرت حَدِيث مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة لما سَأَلَ أَبَاهُ عليا عَلَيْهِمَا السَّلَام: أي النَّاس خير؟ فَقَالَ: أَبُو بكر، قلت: ثمَّ؟ قَالَ: ثمَّ عمر، ثمَّ خشيت أن أسأله فَيَقُول: عُثْمَان، فَقلت: يَا أَبَة فَأَنت؟ فَقَالَ: أَنا رجل من الْمُسلمين.

والصنف الَّذِي يُقَال لَهُم السبائية: يَزْعمُونَ أَن عليا شريك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي النُّبُوَّة وَأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مقدم عَلَيْهِ إِذْ كَانَ حَيا فَلَمَّا مَاتَ ورث النُّبُوَّة فَكَانَ نَبيا يُوحى إِلَيْهِ ويأتيه جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام بالرسالة، كذب أَعدَاء الله مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَاتم النَّبِيين.

والصنف الَّذِي يُقَال لَهُم المنصورية: يَزْعمُونَ أَن عليا فِي السَّحَاب، وَأَنه لم يمت، وَأَنه مَبْعُوث قبل يَوْم الْقِيَامَة، فَيرجع هُوَ وَأَصْحَابه أَجْمَعُونَ إِلَى الدُّنْيَا بعد الْمَوْت قبل يَوْم الْقِيَامَة، ويرون قتل النَّاس بِالْحَقِّ، كذب أَعدَاء الله كَيفَ وَهُوَ الْقَائِل لِلْحسنِ: إِن مت من هَذَا فَالنَّفْس بِالنَّفسِ، وَإِن عِشْت فالجروح قصاص، فَمَاتَ رَضِي الله عَنهُ، وَمَا وعد الله النَّبِيين فِي كتبهمْ وَلَا فِيمَا أوحى إِلَيْهِم أَن يرجع مِنْهُم أحد بعد الْمَوْت إِلَى الدُّنْيَا فَكيف رجل من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ لقد أحب عَليّ رَضِي الله عَنهُ أن يلقى الله بِصَحِيفَة عمر رَضِي الله عَنهُ، أَلا ترَوْنَ أَنه مَاتَ عليُّ صعد الْحسن الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: إِنَّه أُصِيب اللَّيْلَة فِيكُم رجل وَلَقَد صعد بِرُوحِهِ فِي اللَّيْلَة الَّتِي صعد فِيهَا بِروح يحيى بن زَكَرِيَّا مَا ترك صفراء وَلَا بَيْضَاء إِلَّا سبع مائَة دِرْهَم.

وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لما وضعت جَنَازَة عمر وقمنا حوله نَدْعُو فَوضع رجل يَده من ورائي على منكبي فَالْتَفت فَإِذا هُوَ علي بن أبي طَالب فَأَوْسَعْت لَهُ فَقَالَ عَليّ لعمر وَهُوَ مَوْضُوع: رَحْمَة الله عَلَيْك فوَاللَّه مَا خلفت أحدا أحنن إِلَيّ من أَن ألْقى الله بِمَا فِي صَحِيفَته مِنْك، وَإِن كنت لأَظُن أَن يجعلك الله مَعَ صاحبيك مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ لأني أسمع رَسُول الله يَقُول: ذهبت أَنا وَأَبُو بكر وَعمر وَرجعت أنا وَأَبُو بكر وَعمر وَكنت أَظن ليجعلنك الله مَعَهُمَا.

وَعَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ قَالَ: قَالَ عَليّ: مَا على الأَرْض رجل أحب إِلَيَّ من أَن ألْقى الله بصحيفته من هَذَا المسجى - يَعْنِي عمر رَضِي الله عَنْهُمَا.

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَن عليا قد علم مَا علمه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من علم الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِن، وَعلم عَليّ بعد رَسُول الله علما لم يكن رَسُول الله يُعلمهُ، وَأَن عليا أعلم من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَجعلُوا الْأَئِمَّة بعده يَرِثُونَ ذَلِك مِنْهُ إِلَى يَوْمنَا هَذَا الْأَكْبَر فالأكبر، وَأَن الْعلم يُولد مَعَه لَا يحْتَاج إِلَى تَعْلِيم، نقُول: هَذَا جهل عَظِيم، وَكَيف يعلم عَليّ أَو أحد كل هَذَا؟ وَهُوَ يَقُول: إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يعْهَد إِلَيَّ شَيْئا إِلَّا عهدته إِلَى النَّاس.

وعَليّ الْقَائِل لعبد الرحمن بن عَوْف: إِن أخطئك فأرجو أَن لَا تخطئني، فَلَو كَانَ كَمَا يَقُولُونَ لعلم أَنَّهَا تخطئه وَأَن عُثْمَان لَهُ الْخلَافَة، وَلَو علم الْغَيْب لم يجب مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ إِلَى الْحكمَيْنِ ولعلم أَن عَمْرو بن الْعَاصِ يفلح على أبي مُوسَى،

كذب أَعدَاء الله مَا قَالَ عَليّ من هَذَا شَيْئا وَلَا رضيه وَلَا أَرَادَهُ رَحْمَة الله عَلَيْهِ، هَذَا وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد سُئِلَ عَن أَشْيَاء فَقَالَ: لم يأتني فِيهَا شَيْء، قَالَ ثَوْبَان: جَاءَ رجل يهودي إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسَأَلَهُ عَن أَشْيَاء فَنكتَ الأَرْض سَاعَة ثمَّ أخبرهُ ثمَّ قَالَ: وَالَّذِي نفسي بِيَدِهِ مَا كَانَ عندي شَيْء مِمَّا سألتني حَتَّى أيداني الله عز وَجل فِي مجلسي هَذَا.

وَأما المختارية: الَّذين سموا بالمختار فيزعمون أَن عليا إِمَام من أطاعه فقد أطَاع الله وَمن عَصَاهُ فقد عصى الله، وَالْأَئِمَّة من وَلَده يقومُونَ مقَامه فِي ذَلِك، فالدليل على بطلَان دَعوَاهُم أَن الْحسن وَالْحُسَيْن رَضِي الله عَنْهُمَا كَانَا يبتدران الصَّلَاة خلف مَرْوَان وَقد كَانَ الْحسن أعرف بِاللَّه من أَن يَقُول هَذَا القَوْل وَلَو رأى لنَفسِهِ حَقًا مَا تَركه وَمَعَهُ أَرْبَعُونَ ألفا وَلَكِن كَانَ موفقا كَمَا أَن عليا لَو رأى لنَفسِهِ حَقًا أَيَّام أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان رَضِي الله عَنْهُم لطلبه.

قَالَ بسام الصيرفي: مَا ترى فِي الصَّلَاة خلف هَؤُلَاءِ - يَعْنِي بني مَرْوَان -؟ قَالَ: صل خَلفهم فأنا أصلي خلفهم............. قَالَت قلت: قد قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن النَّاس يكثرون وَإِن أَصْحَابِي يقلون فَلَا تسبوا أَصْحَابِي لعن الله من سبهم، وَقَالَت عَائِشَة رَحمهَا الله: أمروا بالاستغفار لَهُم فسبوهم، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد مَا أدْرك مد أحدهم وَلَا نصيفه، وأوتي عمر بن عبد الْعَزِيز رَحْمَة الله عَلَيْهِ بِرَجُل سبّ عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ: لم سببته؟ قَالَ: أبغضته، قَالَ: أَو كلما أبغضت أحدا سببته؟ قَالَ: فَضَربهُ عمر ثَلَاثِينَ سَوْطًا.

وَمِنْهُم صنف يُقَال لَهُم المغيرية: زَعَمُوا أَنه من ظلم نَفسه من عترة علي فَلَا حِسَاب عَلَيْهِ وَلَا عَذَاب وَلَا وقُوف عَلَيْهِ وَلَا سُؤال وَإِن ترك الْفَرَائِض وَركب العظائم وأشرك بِاللَّه، وَزَعَمُوا أَن أَبَا طَالب فِي الْجنَّة، كذب أَعدَاء الله، لما حضرت أَبَا طَالب الْوَفَاة دخل عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعِنْده أَبُو جهل بن هِشَام وَعبد الله بن أُميَّة فَقَالَا: يَا أَبَا طَالب أترغب عَن مِلَّة عبد الْمطلب؟ فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لأَسْتَغْفِرَن لَك مَا لم أَُنهَ عَنْك، فَأنْزل الله عز وَجل: {إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء وَهُوَ أعلم بالمهتدين} وَنزلت أَيْضا: {مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين وَلَو كَانُوا أولي قربى من بعد مَا تبين لَهُم أَنهم أَصْحَاب الْجَحِيم وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إِلَّا عَن موعدة وعدها إِيَّاه فَلَمَّا تبين لَهُ أَنه عَدو لله تَبرأ مِنْهُ إِن إِبْرَاهِيم لأواه حَلِيم}.

وَعَن عِكْرِمَة قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: إِن أبي كَانَ يعْتق الرّقاب وَيكرم الضَّيْف وَيعرف حق ابْن السَّبِيل، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فَهَل قَالَ مرّة: اللَّهُمَّ قني عَذَاب النَّار؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَلَا شَيْء، قَالَ: فَبكى الرجل فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا تبك فَإِن أبي وأباك وَأَبا إِبْرَاهِيم فِي النَّار، قَالَ الرجل: فَأَيْنَ يذهب الْإِحْسَان الَّذِي كَانَ؟ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: يُخَفف عَنهُ من الْعَذَاب، وَقَالَ الْعَبَّاس: يَا رَسُول الله مَاذَا أغنيت عَن عمك وَقد كَانَ يحوطك ويغضب لَك؟ قَالَ: هُوَ فِي ضحضاح من نَار وَلَوْلَا مكاني لَكَانَ فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار.

وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَا بني عبد الْمطلب يَا فَاطِمَة ابْنة مُحَمَّد يَا صَفِيَّة عمَّة مُحَمَّد اشْتَروا أَنفسكُم من الله إني لَا أغْني عَنْكُم من الله شَيْئا سلوني من مالي مَا شِئْتُم اعلموا أَنه أولى النَّاس بي يَوْم الْقِيَامَة المتقون لَا يأتيني النَّاس إِلَّا بِالْأَعْمَالِ وتأتوني بالدنيا تحملونها على أَعْنَاقكُم فتقولون: يَا مُحَمَّد، فَأَقُول هَكَذَا، وَعطف رَأسه يَمِينا وَشمَالًا.

وَقد ذكرت الخطابية وهم يَزْعمُونَ: أَن أَبَا بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا الجبت والطاغوت وَكَذَلِكَ الْخمر وَالْميسر، عَلَيْهِم لعنة الله وَقد فسروا فِي كتاب الله أَشْيَاء كَثِيرَة مَا يشبه هَذَا، كذب أَعدَاء الله الأنجاس الأرجاس، فَلِمَنْ قَالَ الله عز وَجل: {ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار}؟ وَمن كَانَ صَاحبه فِي الْغَار؟ وَمن أعز الله بهما الدّين؟ وَلمن قَالَ الله عز وَجل: {فَسَوف يأتي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله وَاسع عليم} قَالَ أنس: قَالَ أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ: نظرت إِلَى أَقْدَام الْمُشْركين وَنحن فِي الْغَار وهم على رؤوسنا فَقلت: يَا رَسُول الله لَو أَن أحدهم نظر إِلَى قَدَمَيْهِ أبصرنا تَحت قَدَمَيْهِ، قَالَ: يَا أَبَا بكر مَا ظَنك بِاثْنَيْنِ الله ثالثهما، وَحلف أَبُو هُرَيْرَة: وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَوْلَا أَبَا بكر اسْتخْلف مَا عبد الله، وكما قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: لَو كَانَ بعدي نبي لَكَانَ عمر بن الْخطاب، وكما قَالَ عبد الله: كَانَ إِسْلَام عمر فتحا وَكَانَت هجرته نصرا وَكَانَت إمارته رَحْمَة وَلَقَد رَأَيْتنَا وَمَا نستطيع أَن نصلي عِنْد الْبَيْت حَتَّى أسلم عمر فَقَاتلهُمْ حَتَّى تركونا فصلينا.

وَمِنْهُم صنف يَزْعمُونَ: أَن الْمُتْعَة حَلَال وَالتَّزْوِيج بِلَا ولي وَلَا شُهُود وَلَا صدَاق، قَالُوا: الله وَليهَا وَالْمَلَائِكَة شهودها وَالْإِسْلَام صَدَاقهَا، ويكسرون يَد الْمَيِّت إِذا مَاتَ لِئَلَّا يَأْخُذ كِتَابه بِشمَالِهِ يَوْم النشور، وأنكروا أَن الله يُعِيد الْخلق كَمَا بدأهم، وَقَالُوا: إِذا طلق الْمُطلق ثَلَاثًا فَلَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ خَالف السّنة وهي امْرَأَته على حَالهَا، وحرموا صيد الْبَحْر الَّذِي أحله الله مَا لم يكن عَلَيْهِ قشر اتبعُوا فِي ذَلِك الْيَهُود، وَقَالُوا بقَوْلهمْ، وَتركُوا الْمسْح على الْخُفَّيْنِ خلافًا للأثر وَالسّنة، وشهدوا شَهَادَة الزُّور، وَزَعَمُوا: أَنهم يقبلُونَ مِنْهُ الدّين إِذا علمهمْ بأعلامهم فَكيف يعرض الدُّنْيَا فِي أَشْيَاء كثيرة من قَوْلهم خالفوا بهَا كتاب الله عز وَجل وآثار رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، هَذَا والنبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: أَيّمَا امْرَأَة تزوجت بِغَيْر إذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل، فَإِن تشاجروا فالسلطان ولي من لَا ولي لَهُ.

وَمِنْهُم صنف قَالُوا: إِن عليا أفضل النَّاس كلهم، وطعنوا على أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان رَضِي الله عَنْهُم وَقدمُوا عليا فِي الْخلَافَة، فَصَارَ هَؤُلَاءِ بطعنهم وتقديمهم رافضة يُقَال لَهُم الخشبية، كذب أَعدَاء الله ادعوا على عليِّ مَا لم يدع وَلم يقل، وَقَالَ قيس: سَمِعت عليا يَقُول: سبق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَصلى أَبُو بكر وَثلث عمر ثمَّ خبطتنا فتْنَة فَهُوَ مَا شَاءَ الله، قَالَ أَبُو جُحَيْفَة: خيرنا بعد نَبينَا أَبُو بكر ثمَّ عمر.

قَالَ أَبُو الْحُسَيْن: وَالَّذِي أجمع عَلَيْهِ أهل الْعلم أن عليا كَانَ دَاخِلا وخارجا وَأقَام رَسُول الله مَرِيضا أَيَّامًا، وَلَو قَالَ: يصلي بِالنَّاسِ عَليُّ، لَكَانَ النَّاس تبعا لعَلي فِي الصَّلَاة وَفِي أَمر دنياهم كَمَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين قدم أَبَا بكر للصَّلَاة، والصَّلَاة عَمُود الدّين قدمه الصَّحَابَة لدينهم ودنياهم وَأمر رَسُول الله طَاعَة مفترضة.

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَن عليا أفضل النَّاس كلهم وَيَقُولُونَ: لَا نطعن على أبي بكر وَعمر، ويطعنون على عُثْمَان ويزعمون أَنه نكث وَغير، فصاروا بطعنهم على عُثْمَان وتقديمهم عليا رافضة يُقَال لَهُم الزيدية.

وَالَّذِي أجمع عَلَيْهِ كل مُؤمن أَن الصَّحَابَة أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اجْتَمعُوا على بيعَة عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ وقدموه وَعلي مَعَهم فَلَو علم عَليّ أَن لَهُ حَقًا لم يبايعه وبيعة عُثْمَان أوكد من بيعَة أبي بكر، فَإِن زَعَمُوا أَنهم اخْتلفُوا فقد كَانُوا يَوْم اجْتَمعُوا أصوب رَأيا مِنْهُم يَوْم اخْتلفُوا لَا شكّ فِي ذَلِك، وَقد بَان حَظّ من اخْتلف عَلَيْهِ لهَذِهِ الْأمة إِلَى يَوْم النَّاس هَذَا وَلَا سِيمَا لأهل الْمعرفَة مِنْهُم.

قَالَ سعد بن أبي وَقاص: لما ولى عُثْمَان لبث زَمَانا لَا يُنكرُونَ عَلَيْهِ شَيْئا ثمَّ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ شَيْئا وركبوا مِنْهُ مَا هُوَ أعظم مِنْهُ، وَالَّذِي قَالَ أهل الْعلم إِنَّه لَا بيعَة أجمع وَلَا أوفق وَلَا أوكد من بيعَة عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ وَأَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بَالغ فِي النَّصِيحَة لأهل الْإِسْلَام ووفق، وَإِذا قَالَ لكم قَائِل من أهل الشِّيعَة: إِن أَبَا بكر الصّديق أفضل النَّاس بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعلي أحب إِلَيَّ مِنْهُ، فألحقوه بِأَهْل الْبدع فَإِنَّهُ قد خَالف ببدعته من مضى.

فَهَذَا إِجْمَاع كَلَام الرافضة والشيعة، فَأَما مَا وصفوا بِهِ ونعتوا بِهِ أَيْضا فقد تقدم ذكر الحَدِيث بِطُولِهِ فِي الْجُزْء الأول من حَدِيث مَالك بن مغول لما قَالَ: قلت للشعبي: مَا ردك عَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم؟ وَقد قَالَ سُفْيَان: إِن قوما يَقُولُونَ: لَا نعلم فِي أبي بكر وَعمر إِلَّا خيرا وَلَكِن عليُّ أَحَق بِالْولَايَةِ مِنْهُمَا، فَمن قَالَ ذَلِك فقد خطأ أَبَا بكر وَعمر والمهاجرين وَالْأَنْصَار وَمَا أرى يرْتَفع لَهُ عمل مَعَ هَذَا إِلَى السَّمَاء.

وَقد شرحت أَيْضا ذكر الإمامية فِي هَذَا الْجُزْء وهم ثماني عشرَة فرقة ليظْهر لكم الْبَيَان إِن شَاءَ الله وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.

باب المرجئة وفرقها ومذاهبها

بَاب المرجئة وفرقها ومذاهبها

والمرجئة أثنتا عشرَة فرقة:
صنف مِنْهُم: زَعَمُوا أَن من شهد شَهَادَة الْحق دخل الْجنَّة وَإِن عمل أَي عمل كَمَا لَا ينفع مَعَ الشّرك حَسَنَة كَذَلِك لَا يضر مَعَ التَّوْحِيد سَيِّئَة، وَزَعَمُوا أَنه لَا يدْخل النَّار أبدا وَإِن ركب العظائم وَترك الْفَرَائِض وَعمل الْكَبَائِر، كذب من قَالَ هَذَا وَالله عز وَجل يَقُول: {وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين حنفَاء ويقيموا الصَّلَاة ويؤتوا الزَّكَاة وَذَلِكَ دين الْقيمَة} وَقَالَ {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون وَالَّذين هم عَن اللَّغْو معرضون وَالَّذين هم لِلزَّكَاةِ فاعلون وَالَّذين هم لفروجهم حافظون إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم فَإِنَّهُم غير ملومين فَمن ابْتغى وَرَاء ذَلِك فَأُولَئِك هم العادون وَالَّذين هم لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدهمْ رَاعُونَ وَالَّذين هم على صلواتهم يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ هم الوارثون} وَقَالَ {لَيْسَ الْبر أَن توَلّوا وُجُوهكُم قبل الْمشرق وَالْمغْرب وَلَكِن الْبر من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَالْمَلَائِكَة وَالْكتاب والنبيين وَآتى المَال على حبه ذَوي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل والسائلين وَفِي الرّقاب وَأقَام الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة والموفون بعهدهم إِذا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي البأساء وَالضَّرَّاء وَحين الْبَأْس أُولَئِكَ الَّذين صدقُوا وَأُولَئِكَ هم المتقون} [البقرة: ١٧٧].

وَعَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: بَين العَبْد وَالْكفْر ترك الصَّلَاة وَرَوَاهُ جَابر أَيْضا، وَسُئِلَ ابْن مَسْعُود: أَي الدَّرَجَات فِي الْإِسْلَام أفضل؟ قَالَ: الصَّلَاة وَمن لم يصل فَلَا دين لَهُ.

وَعَن أبي قلَابَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من ترك الصَّلَاة عَامِدًا أحبط عمله.

وَقَالَ الْمسور بن مخرمَة: دخلت أَنا وَابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا على عمر رَضِي الله عَنهُ حِين طعن فَقلت: الصَّلَاة، قَالَ: أجل وَلَا حَظّ فِي الْإِسْلَام لمن أضاع الصَّلَاة.

وَقيل لِابْنِ عمر رَضِي الله عَنْهُمَا: أَلا تُجَاهِد؟ فَقَالَ: بني الْإِسْلَام على خمس: شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وإقام الصَّلَاة، وأيتاء الزَّكَاة، وَحج الْبَيْت، وَصَوْم رَمَضَان، هَكَذَا حَدثنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ الْجِهَاد بعد حسن.

وَقَالَ حُذَيْفَة: إِنِّي لأعرف أهل دينين، أهل ذَيْنك الدينَيْنِ فِي النَّار، قوم يَقُولُونَ: الْإِيمَان كَلَام وَإِن زنى وَقتل، وَقوم يَقُولُونَ: وَإِذ كَانُوا أَوْلِيَاء الضلال، لَا نرى خمس صلوَات فِي كل يَوْم وَإِنَّمَا هما صلاتان صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْمغرب.

وَقَالَ عبد الله الْيَشْكُرِي: انْطَلَقت إِلَى الْكُوفَة لأجلب بغالا فَدخلت الْمَسْجِد فَإِذا رجل من قيس يُقَال لَهُ: ابْن المنتفق، وَهُوَ يَقُول: وصف لي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وحلا لي، قَالَ: فطلبته بِمَكَّة، فَقيل: إِنَّه بمنى، فطلبته بمنى، فَقيل: بِعَرَفَات، فانتهيت إِلَيْهِ فزاحمت عَلَيْهِ حَتَّى حصلت إِلَيْهِ، فَأخذت بِخِطَام رَاحِلَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَو قَالَ: بزمامها - حَتَّى اخْتلفت أَعْنَاق راحلتينا، قَالَ: قلتُ: ثِنْتَانِ أَسأَلك عَنْهُمَا: مَا ينجيني من النَّار وَمَا يدخلني الْجنَّة؟ قَالَ: فَنظر إِلَى السَّمَاء ثمَّ أقبل عَليّ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: لَئِن أوجزت فِي الْمَسْأَلَة لقد أعظمت وطولت، اعقل عني: اعبد الله وَلَا تشرك بِهِ شَيْئا، وأقم الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة، وصم شهر رَمَضَان، وَمَا تحب أَن يَفْعَله النَّاس بك فافعله مَعَهم وَمَا تكره أَن يَأْتِي النَّاس إِلَيْك فذر النَّاس مِنْهُ، خل عَن زِمَام الرَّاحِلَة.

وَعَن الْحسن قَالَ: يَا ابْن آدم إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَلستَ تصلي!؟.

وَعَن ابْن عَبَّاس {إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ} قَالَ: الْكَلم الطّيب ذكر الله، وَالْعَمَل الصَّالح أَدَاء فَرَائِضه، فَمن ذكر الله سُبْحَانَهُ فِي أَدَاء فَرَائِضه حمل على ذكر الله عز وَجل وَصعد بِهِ إِلَى السَّمَاء، وَمن ذكر الله وَلم يؤد فَرَائِضه رد كَلَامه على عمله فَكَانَ أولى بِهِ.

وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد الْفَرَائِض فَإِن وجدوا فِيهَا نقصا، قَالَ: انْظُرُوا هَل لعبدي من تطوع، فَإِن وجد لَهُ تطوع قَالَ: أكملوا الْفَرَائِض من التَّطَوُّع.

وَعَن كَعْب قَالَ: من أَقَامَ الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة وَسمع وأطاع فقد توَسط الْإِيمَان وَمن أحب لله وبغض لله وَأعْطى لله وَمنع لله فقد اسْتكْمل الْإِيمَان.

وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام لوفد عبد الْقَيْس: آمركُم بِأَرْبَع الْإِيمَان بِاللَّه هَل تَدْرُونَ مَا الْإِيمَان بِاللَّه؟ قَالُوا: الله وَرَسُوله أعلم، قَالَ: شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَأَن تعطوا من الْغَنَائِم الْخمس.

وَقَالَ ابْن عمر: ثَلَاث من كَانَ فِيهِ اثْنَتَانِ مِنْهَا وَلم يَأْتِ بالثالثة لم تقبل مِنْهُ: الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالْغسْل من الْجَنَابَة.

وَقيل لِابْنِ عمر: إِنَّا نسير فِي هَذِه الْآفَاق فيلقانا قوم يَقُولُونَ: لَا قدر، فَقَالَ ابْن عمر: إِذا لقيتموهم فَأَخْبرُوهُمْ أَن عبد الله مِنْهُم بَرِيء، ثمَّ أنشأ يَقُول: بَينا نَحن عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فجَاء رجل فَقَالَ: أدنو؟ فَقَالَ: ادن، فَدَنَا مرَارًا حَتَّى كَادَت ركبتاه تمسان رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: مَا الْإِيمَان؟ وَذكر الحَدِيث، وَقَوله: هَذَا جِبْرِيل جَاءَكُم يعلمكم أَمر دينكُمْ، فَذكره.

وَعَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا: حب فِي الله، وَابْغض فِي الله، ووال فِي الله، وَعَاد فِي الله، فَإِنَّهُ لَا تنَال ولَايَة الله إِلَّا بذلك وَلَا يجد رجل طعم الْإِيمَان حَتَّى يكون كَذَلِك.

وَمن المرجئة صنف زَعَمُوا: أَن الْإِيمَان معرفَة بِالْقَلْبِ لَا فعل بِاللِّسَانِ وَلَا عمل بِالْبدنِ وَمن عرف الله بِقَلْبِه أَنه لَا شَيْء كمثله فَهُوَ مُؤمن وَإِن صلى نَحْو الْمشرق أَو الْمغرب وربط فِي وسطه زنارا، وَقَالُوا: لَو أَوجَبْنَا عَلَيْهِ الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ، أَوجَبْنَا عَلَيْهِ عمل الْبدن، حَتَّى قَالَ بَعضهم: الصَّلَاة من ضعف الْإِيمَان، من صلى فقد ضعف إيمَانه.

نقُول: كَيفَ تجوز لَهُ الصَّلَاة نَحْو الْمشرق وَقد قَالَ الله عز وَجل {فلنولينك قبْلَة ترضاها فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره وَإِن الَّذين أُوتُوا الْكتاب ليعلمون أَنه الْحق من رَبهم وَمَا الله بغافل عَمَّا يعْملُونَ} وَكَيف يجوز ربط الزنار فِي وَسطه وَقد قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: من تشبه بِقوم فَهُوَ مِنْهُم، وَكَيف تجوز الْمعرفَة بِالْقَلْبِ دون القَوْل وَالله عز وَجل يَقُول: {أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم} وَلَا تكون هَذِه الطَّاعَة إِلَّا بالْقَوْل وَالْعَمَل، وَقد قَالَ الْأَوْزَاعِيّ رَحمَه الله: أدْركْت النَّاس وهم يَقُولُونَ: الْإِيمَان قَول وَعمل، وَقد ذكرنَا هَذَا فِي آخر الْكتاب مُجَردا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

أَلا ترى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما صلى نَحْو بَيت الْمُقَدّس سَبْعَة عشر شهرا أَو سِتَّة عشر شهرا وَكَانَ يحب أَن يُوَجه إِلَى الْكَعْبَة فَأنْزل الله عز وَجل {قد نرى تقلب وَجهك فِي السَّمَاء فلنولينك قبْلَة ترضاها فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره وَإِن الَّذين أُوتُوا الْكتاب ليعلمون أَنه الْحق من رَبهم وَمَا الله بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ} [النساء: ١٤٤].

وَقَالَ السُّفَهَاء من النَّاس: {مَا ولاهم عَن قبلتهم} وهم الْيَهُود فَأنْزل الله تبَارك وَتَعَالَى {قل لله الْمشرق وَالْمغْرب يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم} فصلى مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجل ثمَّ خرج بعد مَا صلى فَمر على قوم من الْأَنْصَار وهم فِي صَلَاة الْعَصْر نَحْو بَيت الْمُقَدّس فَقَالَ: هُوَ يشْهد أَنه صلى مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَحْو الْكَعْبَة فانحرف الْقَوْم حَتَّى توجهوا نَحْو الْكَعْبَة.

وَكتب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى أهل الْيمن: من صلى صَلَاتنَا واستقبل قبلتنا وأجاب دَعوتنَا، وأكل ذبيحتنا، فذلكم الْمُسلم لَهُ مَا للْمُسلمِ وَعَلِيهِ مَا على الْمُسلم.

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَنه لابد من الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ بِالشَّهَادَةِ بِأَن لَا إِلَه إِلَّا الله وبالأنبياء عَلَيْهِم السَّلَام وَبِمَا جَاءَ من عِنْد الله ثمَّ ترك من الْعَمَل فَهُوَ مُؤمن لَا ينقصهُ التَّنْزِيل شَيْئا.

يُقَال لَهُم: كَيفَ لَا ينقصهُ التَّنْزِيل وَقد روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: الْإِيمَان بضع وَسَبْعُونَ بَابا أفضلهَا شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَدْنَاهَا إمَاطَة الْأَذَى من الطَّرِيق وَالْحيَاء شُعْبَة من الْإِيمَان.

وَسَأَلَ أَبُو ذَر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْإِيمَان فَقَرَأَ هَذِه الْآيَة {لَيْسَ الْبر أَن توَلّوا وُجُوهكُم قبل الْمشرق وَالْمغْرب وَلَكِن الْبر من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَالْمَلَائِكَة وَالْكتاب والنبين وَآتى المَال على حبه ذَوي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل والسائلين وَفِي الرّقاب وَأقَام الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة والموفون بعهدهم إِذا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الباساء وَالضَّرَّاء وَحين الْبَأْس أُولَئِكَ الَّذين صدقُوا وَأُولَئِكَ هم المتقون} [البقرة: ١٧٧].

وَعَن عَطاء بن يسَار فِي هَذِه الْآيَة {وَعمل صَالحا ثمَّ اهْتَدَى} يَعْنِي: ثمَّ أصَاب بقوله وَعَمله السّنة.

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَنه لَا بُد من الْإِقْرَار بالتنزيل وَإِن جَحَدُوا من التَّأْوِيل مَا شَاءُوا، وَقَالُوا: نشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثمَّ قَالُوا: لَا نَدْرِي مُحَمَّد هُوَ الَّذِي بِمَكَّة وَالْمَدينَة أَو نَبِي بخراسان فَهُوَ مُؤمن، وَقَالُوا: نقر بِالْحَجِّ وَلَا ندري هُوَ الَّذِي بِمَكَّة أَو بَيت بخراسان فَهُوَ مُؤمن، وأقروا بالخنزير أَنه حرَام وَلَا ندري هُوَ هَذَا الْخِنْزِير أَو الْحمار فَهُوَ مُؤمن، فَقيل لبَعْضهِم: إِن إِبْلِيس قد أقرّ بِلِسَانِهِ، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِك هذيانا لم يعرف مَا أقرّ بِهِ.

نقُول لَهُ نَحن: كَيفَ يجوز لَهُ الْجُحُود وَقد روى: من جحد مِنْهُ آيَة فقد كفر بِهِ أجمع، وَكَيف يكون مُؤمنا إِذا قَالَ: لَا أدري أَي مُحَمَّد رَسُول الله، وَقد قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم:
(أَنا النَّبِي لَا كذب ... أَنا ابْن عبد الْمطلب).
وَقد عرف أهل الْمعرفَة بِاللَّه أَنه مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب فَمن شكّ فِي ذَلِك فقد خرج من الْإِسْلَام وَلَيْسَ بِمُؤْمِن وَمن لم يشْهد أَنه مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب بَعثه الله إِلَى النَّاس كَافَّة وَأوحى إِلَيْهِ بِمَكَّة ثمَّ هَاجر إِلَى الْمَدِينَة وَلم يزل يَأْتِيهِ الْوَحْي حَتَّى قَبضه الله إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالله عز وَجل يَقُول: {هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَكفى بِاللَّه شَهِيدا مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم} قَاتلهم الله، أَي نَبِي بعث بخراسان؟

وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يسمع بِي أحد من هَذِه الْأُمَم يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ فَمَاتَ وَلم يُؤمن بِالَّذِي أرْسلت بِهِ إِلَّا كَانَ من أَصْحَاب النَّار.

وَعَن سعد بن زُرَارَة أَنه أَخذ بيد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس هَل تَدْرُونَ علام تُبَايِعُونَ مُحَمَّدًا؟ تبايعونه على أَن تَحَارَبُوا الْعَرَب والعجم وَالْجِنّ وَالْإِنْس، فَقَالُوا: نَحن حَرْب لمن حَارب وَسلم لمن سَالم، فَقَالَ لَهُ سعد: يَا رَسُول الله اشْترط، فَقَالَ: تُبَايِعُونِي على أن تشهدوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله وتقيموا الصَّلَاة وتؤتوا الزَّكَاة والسمع وَالطَّاعَة وَلَا تنازعون الْأَمر أَهله وَأَن تَمْنَعُونِي مِمَّا تمْنَعُونَ مِنْهُ نفوسكم وأهليكم، قَالُوا: نعم، فَقَالَ قَائِل من الْأَنْصَار: هَذَا لَك فَمَا لنا؟ قَالَ: النَّصْر وَالْجنَّة.

قوله ﷺ للحارث بن مالك: ما أنت يا حارث؟
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لِلْحَارِثِ بن مَالك: مَا أَنْت يَا حَارِث؟ قَالَ: مُؤمن يَا رَسُول الله حَقًا، قَالَ: إِن لكل قَول حَقِيقَة فَمَا حَقِيقَة إيمانك؟ قَالَ: عزفت نَفسِي عَن الدُّنْيَا فأسهرت ليلي واظمأت نهاري ولكأني أنظر إِلَى عرش رَبِّي قد أبرز حِين يجاء بِهِ لِلْحسابِ وَكَأَنِّي أنظر إِلَى أهل الْجنَّة يتزاورون فِيهَا وَكَأَنِّي أسمع عواء أهل النَّار، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مُؤمن نور الله قلبه، وَذكر زيد الْأنْصَارِيّ عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثله أَو نَحوه، وَقَالَ فُضَيْل بن غَزوَان: أغير على سرح الْمَدِينَة فَخرج الْحَارِث بن مَالك فَقتل مِنْهُم ثَمَانِيَة ثمَّ قتل وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: كَيفَ أَصبَحت؟

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَن إِيمَانهم كَإِيمَانِ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وَالْمَلَائِكَة المقربين والأنبياء.

قُلْنَا نَحن: كَيفَ يُمكنهُم هَذِه الدَّعْوَى وَالْمَلَائِكَة لم يعصوا الله والأنبياء صفوة الله؟

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَنهم مُؤمنُونَ مستكملون للْإيمَان لَيْسَ فِي إِيمَانهم نقص وَلَا لبس إِن زنى أحدهم بِأُمِّهِ أَو بأخته وارتكب العظائم وأتى الْكَبَائِر وَالْفَوَاحِش وَشرب الْخمر وَقتل النَّفس وَأكل الْحَرَام والربا وَترك الصَّلَاة وَالزَّكَاة والفرائض كلهَا واغتاب وهمز ولمز وتحدث، وَهَذَا هُوَ الْجَهْل القوي، كَيفَ يستكمل الْإِيمَان من خَالف شُرُوطه وخصاله وشرائعه؟ أَلا ترى أَن فِي كتاب الله إِيمَانًا مَقْبُولًا وإيمانا مردودا؟ فَمن أدّعى حَقِيقَته فقد ادّعى علم مَا لم يعلم، فَكيف بِمن خَالفه أجمع، وَأَبُو هُرَيْرَة وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا يزني الزَّانِي حِين يزني وَهُوَ مُؤمن، وَلَا يسرق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن، وَلَا يقتل حِين يقتل وَهُوَ مُؤمن، وَلَا يشرب الْخمر حِين يشْربهَا وَهُوَ مُؤمن، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: إِنَّمَا الْإِيمَان بزَّة فَمن زنى فَارق الْإِيمَان فَإِن لَام نَفسه ورجع رَاجعه الْإِيمَان، وَقَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا: أَيّمَا عبد زنى نزع الله مِنْهُ الْإِيمَان فَإِن شَاءَ رده عَلَيْهِ وَإِن شَاءَ مَنعه مِنْهُ.

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَنهم مُؤمنُونَ حَقًا كحقيقة أهل الْجنَّة الَّذين وصف الله تحقيقهم {أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا} وَمن زعم أَنه فِي الْجنَّة فَهُوَ فِي النَّار وَمن زعم أَنه عَالم فَهُوَ جَاهِل وَمن زعم أَنه صَادِق - يَعْنِي فِي إيمَانه - فَهُوَ كَاذِب.

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَن إِيمَانهم قَائِم أبدا لَا يزِيد وَإِن عمل الْحَسَنَات الْعِظَام وورع فِي الدّين وَترك الْحَرَام وَحج الْبَيْت دَائِما وَصلى أبدا أَو صَامَ وَلَا ينقص وَإِن عمل السَّيِّئَات والكبائر وَالْفَوَاحِش وَركب الْحَرَام جاهرا أَو ترك الصَّلَاة وَلم يصم وَلم يحجّ أبدا.

قَالَ أهل الْعلم أجمع: هَؤُلَاءِ مخالفون لِلْقُرْآنِ يَقُول الله عز وَجل: {ليزدادوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانهم} وَقَالَ: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم فَوق صَوت النَّبِي وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بالْقَوْل كجهر بَعْضكُم لبَعض أَن تحبط أَعمالكُم وَأَنْتُم لَا تشعرون}.

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَن الْإِيمَان يزِيد بِزِيَادَة الْأَعْمَال دَائِما لَا مُنْتَهى لَهُ وَلَا غَايَة وَلَا ينقص بِعَمَل من أَعمال الْمُجْرمين وَلَا بترك الْفَرَائِض وركوب مَا يركب الظَّالِمُونَ.

وَقد قَالَ ابْن عَبَّاس: الْإِيمَان يزِيد وَينْقص، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: الْإِيمَان يَبْدُو لمْعَة بَيْضَاء فِي الْقلب كلما ازْدَادَ الْإِيمَان ازْدَادَ ذَلِك الْبيَاض حَتَّى إِذا اسْتكْمل الْإِيمَان ابيض الْقلب كُله وَإِن النِّفَاق يَبْدُو لمْعَة سَوْدَاء فِي الْقلب فَكلما ازْدَادَ النِّفَاق ازْدَادَ ذَلِك السوَاد فَإِذا اسْتكْمل النِّفَاق اسود الْقلب كُله وأيم الله لَو شققتم عَن قلب مُؤمن لوجدتموه أَبيض ولوشققتم عَن قلب مُنَافِق لوجدتموه أسود.

وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: بَيْنَمَا الْمَسِيح عَلَيْهِ السَّلَام فِي رَهْط من الحواريين إِذا بنهر جَار وحمأة مُنْتِنَة أقبل طَائِر حسن اللَّوْن يَتلون كَأَنَّمَا هُوَ الذَّهَب فَوَقع قَرِيبا مِنْهُ فانتفض فسلخ عَنهُ مسكه فبقى أحيمش فَانْطَلق إِلَى حمأة مُنْتِنَة فتمعك فِيهَا فازداد بمسحها قبحا إِلَى قبحه ونتنا إِلَى نَتنه ثمَّ انْطلق إِلَى نهر عجاج صَاف فاغتسل فِيهِ حَتَّى رَجَعَ مَكَانَهُ كَأَنَّهُ بَيْضَة مقشورة ثمَّ انْطلق يدب إِلَى مسكه فتتدرعه كَمَا كَانَ أول مرّة، فَكَذَلِك عَامل الْخَطِيئَة حَتَّى يخرج من ذَنبه وَيكون فِي الْخَطَايَا فَكَذَا التَّوْبَة كَمثل اغتساله فِي النَّهر العجاج ثمَّ يرجع دينه حَتَّى يتدرع مسكا وَتلك الْأَمْثَال.

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَن لَيْسَ فِي هَذِه الْأمة نفاق، وَسُئِلَ حُذَيْفَة عَن النِّفَاق فَقَالَ: أَن تَتَكَلَّم بِاللِّسَانِ وَلَا تعْمل بِهِ.

وَمِنْهُم صنف زَعَمُوا: أَن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام اسْم وَاحِد لَيْسَ للْإيمَان على الْإِسْلَام فَضِيلَة فِي الدرجَة، وَهَذَا سعد بن أبي وَقاص يَقُول: إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أعْطى رجَالًا وَلم يُعْط رجلا مِنْهُم شَيْئا فَقلت: يَا رَسُول الله أَعْطَيْت فلَانا وَلم تعط فلَانا وَهُوَ مُؤمن، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: أَو مُسلم - قَالَهَا ثَلَاثًا، قَالَ الزهري: فنرى الْإِيمَان الْكَلِمَة وَالْإِسْلَام الْعَمَل، فَهَذَا إِجْمَاع كَلَام المرجئة.

إجماع العلماء على أن القول بالإرجاء بدعة

إجماع العلماء على أن القول بالإرجاء بدعة

قَالَ وهب: فِي الْكتاب فِي آخر الزَّمَان قوم يتفقهون بِغَيْر الْعَمَل ويتزينون ألسنتهم أحلى من الْعَسَل وَقُلُوبهمْ أَمر من الصَّبْر قَالَ الرب عز وَجل: إيَّايَ يخادعون أم عليَّ يجترءون فبحقي حَلَفت - يَعْنِي الرب نَفسه - لأتيحن لَهُم فتْنَة أدع فِيهَا الْحَلِيم حيران.

وَعَن أبي البخْترِي قَالَ: لَا يَقُولَن أحدكُم: اللَّهُمَّ أدخلني فِي مُسْتَقر رحمتك، فَإِن مُسْتَقر رَحمته نَفسه.

وَقَالَ سَلمَة بن كهيل: اجْتمع هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة بكير الطَّائِي وأبو البخْترِي وميسرة، وَالضَّحَّاك المشرقي فِي أَيَّام الجماجم على أَن الإرجاء بِدعَة وَالشَّهَادَة وَالْولَايَة بِدعَة والبراءة بِدعَة وَهُوَ قَول أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَإِبْرَاهِيم.

وَقَالَ الشّعبِيّ: أرجيء مَا لَا تعلم إِلَى الله وَلَا تكن مرجئا، وَقَالَ ذَر: قد شرعت شَيْئا - أَو قَالَ: دينا - أَخَاف أَن يتَّخذ سنة، وَقَالَ إِبْرَاهِيم: إِذا لقِيت ذرا فتنصل إِلَيَّ مِنْهُ.

قول عمر بن الخطاب من يحدثنا عن الريح

قول عمر بن الخطاب من يحدثنا عن الريح

وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: أَخذ النَّاس الرّيح فِي طَرِيق مَكَّة وَعمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ حَاج فَاشْتَدَّ عَلَيْهِم فَقَالَ عمر لمن حوله: من يحدثنا عَن الرّيح؟ فَلم يرجِعوا إِلَيْهِ شَيْئا فبلغني الَّذِي سَأَلَ عَنهُ عمر من ذَلِك فاستحثثت رَاحِلَتي حَتَّى أَدْرَكته فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بَلغنِي أنك سَأَلت عَن الرّيح وَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: الرّيح من روح الله تَأتي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ فَإِذا رأيتموها فَلَا تسبوها واسألوا الله من خَيرهَا واستعيذوا بِاللَّه من شَرها.

قول جهم بأن الجنة والنار تفنيان والرد عليه

قول جهم بأن الجنة والنار تفنيان والرد عليه:

وَزعم جهم أَن الْجنَّة وَالنَّار تفنيان بعد خلقهما فَيخرج أهل الطَّاعَة من الْجنَّة بعد دُخُولهمْ وَيخرج أهل النَّار بعد دُخُولهمْ وَإِن أهل الْجنَّة إِذْ دخلوها لَبِثُوا فِيهَا دهرا طَويلا فتبيد الْجنَّة وَأَهْلهَا ويبيد نعيمها وتهلك النَّار ويبيد عَذَابهَا وَأخذ ذَلِك من قَوْله عز وَجل {هُوَ الأول وَالْآخر} فشكك النَّاس وَلبس على الْجَاهِل تَأْوِيل الْقُرْآن من غير تَأْوِيله وَقد أكذبه الله عز وَجل بكتابه والمأثور عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

قَالَ الله عز وَجل يخبر عَن أهل الْجنَّة: {لَهُم فِيهَا نعيم مُقيم خَالِدين فِيهَا أبدا إِن الله عِنْده أجر عَظِيم} وَقَالَ {مَا عنْدكُمْ ينْفد وَمَا عِنْد الله بَاقٍ} وَقَالَ {لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت} وَقَالَ {وَإِن الْآخِرَة هِيَ دَار الْقَرار} وَقَالَ {ماكثين فِيهَا أبدا} وَقَالَ {فادخلوها خَالِدين} وَقَالَ {وَمَا هم مِنْهَا بمخرجين} وَأخْبر عَن أهل النَّار فَقَالَ: {لَا يقْضى عَلَيْهِم فيموتوا} وَقَالَ {لَا يَمُوت فِيهَا وَلَا يحيى} يَقُول: لَا يَمُوت فِيهَا فيستريح وَلَا يحيى حَيَاة تَنْفَعهُ الْحَيَاة، وَقَالَ: {يَا ليتها كَانَت القاضية} وَقَالَ {يُرِيدُونَ أَن يخرجُوا من النَّار وَمَا هم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُم عَذَاب مُقيم} وَقَالَ {كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب إِن الله كَانَ عَزِيزًا حكيما} وَقَالَ {كلما أَرَادوا أَن يخرجُوا مِنْهَا أعيدوا فِيهَا} وَقَالَ {كلما خبت زدناهم سعيرا} وَقَالَ {فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدكُمْ إِلَّا عذَابا} وَقَالَ: {أُولَئِكَ يئسوا من رَحْمَتي} وَقَالَ: {لَا ينالهم الله برحمة} فليردوا الْأَشْيَاء إِلَى كتاب الله وَسنة نبيه كَمَا أمروا {وَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا}.

وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِذا دخل أهل الْجنَّة الْجنَّة وَأهل النَّار النَّار يجاء بِالْمَوْتِ كَأَنَّهُ كَبْش أَمْلَح فينادي مُنَادٍ: يَا اهل الْجنَّة فيشرفون وَيَنْظُرُونَ وَكلهمْ قد رَآهُ فَيَقُولُونَ: هَذَا الْمَوْت، فينادي مُنَادٍ: يَا أهل النَّار هَل تعرفُون هَذَا؟ فيشرفون وَيَنْظُرُونَ وَكلهمْ قد رَآهُ فَيَقُولُونَ: نعم هَذَا الْمَوْت، ثمَّ يُؤْخَذ فَيذْبَح فَيُقَال: يَا أهل الْجنَّة خُلُود بِلَا موت، وَيَا أهل النَّار خُلُود بِلَا موت وَذَلِكَ قَوْله {وَأَنْذرهُمْ يَوْم الْحَسْرَة إِذْ قضي الْأَمر وهم فِي غَفلَة وهم لَا يُؤمنُونَ} وَعَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تبَارك وَتَعَالَى لأهل الْجنَّة {كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ} فَعندهَا قَالُوا: {أفما نَحن بميتين} فَالَّذِي نقُول إِن الْجنَّة وَأَهْلهَا لَا فنَاء عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ النَّار وَأَهْلهَا فَإِنَّهُ إِنَّمَا تعبدنا الله عز وَجل أَن نَأْخُذ بالتقليد لَا بِالرَّأْيِ وَالْقِيَاس فَنحْن نتبع الْأَثر لَا الرَّأْيِ وَالْقِيَاس.

وَقَالَ كَعْب: مَا من يَوْم إِلَّا ينظر الله تبَارك وَتَعَالَى إِلَى جنَّات عدن فَيَقُول: طيبي فتضعف طيبَة على مَا كَانَت حَتَّى يدخلهَا أَهلهَا.

وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَقُول الله عز وَجل: أَعدَدْت لعبادي الصَّالِحين مَالا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر اقرؤا إِن شِئْتُم {فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ} ولموضع سَوط فِي الْجنَّة خير من الدُّنْيَا جَمِيعًا اقْرَءُوا إِن شِئْتُم {فَمن زحزح عَن النَّار وَأدْخل الْجنَّة فقد فَازَ وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاع الْغرُور} وَإِن فِي الْجنَّة لشَجَرَة يسير الرَّاكِب فِي ظلها مائَة عَام اقْرَءُوا إِن شِئْتُم {وظل مَمْدُود}.

وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانَ عرش الله تَعَالَى على المَاء فَاتخذ جنَّة لنَفسِهِ ثمَّ اتخذ أُخْرَى فأطبقها بلؤلؤة وَاحِدَة ثمَّ قَالَ: وَمن دونهمَا جنتان لَا يعلم خلق مَا فيهمَا إِلَّا الله ثمَّ قَرَأَ {فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ} مَا يَأْتِيهم كل يَوْم من تحفة، وَعَن عبد الله {وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ} قَالَ: إِن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي طيور خضر تسرح فِي الْجنَّة ثمَّ تأوي إِلَى قناديل معلقَة بالعرش، قَالَ: فَاطلع الله عز وَجل إِلَيْهِم اطلاعة فَقَالَ: هَل تشتهون من شَيْء فأزيدكموه؟ قَالُوا: ألسنا فِي الْجنَّة نَسْرَح فِي أَيهَا شِئْنَا؟ قَالَ: فَسكت عَنْهُم ثمَّ اطلع إِلَيْهِم اطلاعة، فَقَالَ: هَل تشتهون من شَيْء فأزيدكموه؟ فَقَالُوا: كأول مرّة، ثمَّ اطلع إِلَيْهِم الثَّالِثَة وَالرَّابِعَة، فَقَالُوا: كَذَلِك قَالُوا تعد أَرْوَاحنَا فِي أَجْسَادنَا فنقاتل [فنقتل] فِي سَبِيلك مرّة أُخْرَى، فَسكت عَنْهُم.

وَعَن سعيد بن جُبَير قَالَ: لما أُصِيب حَمْزَة بن عبد الْمطلب وَمصْعَب بن عُمَيْر وَعبد الله بن جحش فَرَأَوْا مَا أَصَابُوا من الْخَيْر والرزق تمنوا أَن أَصْحَابهم يعلمُونَ مَا أصابوا من الْخَيْر فيزدادوا رَغْبَة فِي الْجِهَاد، قَالَ الله تبَارك وَتَعَالَى: أَنا أبلغهم عَنْكُم، فَأنْزل {وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ، فرحين بِمَا آتَاهُم الله من فَضله ويستبشرون بالذين لم يلْحقُوا بهم من خلفهمْ أَلا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ، يستبشرون بِنِعْمَة من الله وَفضل وَأَن الله لَا يضيع أجر الْمُؤمنِينَ} وَقَالَ الله عز وَجل: {ويحذركم الله نَفسه} وَقَالَ {كتب على نَفسه الرَّحْمَة} وَقَالَ {ثمَّ جِئْت على قدر يَا مُوسَى، واصطنعتك لنَفْسي، اذْهَبْ أَنْت وأخوك بآياتي وَلَا تنيا فِي ذكري} وَقَالَ {تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك إِنَّك أَنْت علام الغيوب}.

وَقَالَ أنس: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قَالَ الله تبَارك وَتَعَالَى: إِن ذَكرتني فِي نَفسك ذكرتك فِي نَفسِي وَإِن ذَكرتني فِي مَلأ ذكرتك فِي مَلأ من الْمَلَائِكَة - أَو قَالَ: مَلأ خير مِنْهُم - وَإِن دَنَوْت مني شبْرًا دَنَوْت مِنْك ذِرَاعا وَإِن دَنَوْت مني ذِرَاعا دَنَوْت مِنْك باعا وَإِن أتيتني تمشي أَتَيْتُك أهرول، قَالَ قَتَادَة: الله أسْرع بالمغفرة.

وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَقُول الله تَعَالَى: إِذا تَلقانِي عَبدِي شبْرًا تلقيته ذِرَاعا وَإِن تَلقانِي بِذِرَاع تلقيته بباع - أَو قَالَ: أَتَيْته أسْرع، وَعَن مُجَاهِد {إِن السَّاعَة آتِيَة أكاد أخفيها} قَالَ: من نَفسِي.

إخبار النبي ﷺ عن بناء الجنة

إخبار النبي ﷺ عن بناء الجنة

وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُول الله أخبرنَا عَن الْجنَّة مَا بناؤها؟ قَالَ: لبنة من ذهب ولبنة من فضَّة وملاطها الْمسك الأذفر وحصباؤها اللُّؤْلُؤ والياقوت وترابها الزَّعْفَرَان من يدخلهَا يخلد وَلَا يَمُوت وينعم لَا يبؤس وَلَا تبلى ثِيَابهمْ وَلَا يفنى شبابهم.

وَسُئِلَ مُجَاهِد: أَيْن الْجنَّة؟ قَالَ: فِي أَعلَى عليين، وَعَن النَّار، فَقَالَ: فِي أَسْفَل السافلين، وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: إِن النَّار قَالَت لِرَبِّهَا: وَعزَّتك وكرامتك لتنفسني أَو لأخْرجَن على عِبَادك، فَقَالَ لَهَا: تنفسي فِي كل عَام، فنفسها فِي الشتَاء الزَّمْهَرِير ونفسها فِي الصَّيف الْحر الَّذِي يقتل الْبَهَائِم والماشية وَإنَّهُ ليغلي المَاء، وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن نَاركُمْ الَّتِي توقدونها لتتعوذ بِاللَّه من نَار جَهَنَّم، فَقَالُوا: وَالله إِن كَانَت لكَافِيَة، قَالَ: فَإِنَّهَا فضلت عَلَيْهَا بتسع وَسِتِّينَ جزأ كُلهنَّ مثل حرهَا، وَعَن عبد الله بن سَلام أَنه قَالَ: الْجنَّة فِي السَّمَاء وَالنَّار فِي الأَرْض.

كيفية الإيمان بالقدر

كيفية الإيمان بالقدر

وَعَن رَافع بن خديج قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله قل لي كَيفَ الْإِيمَان بِالْقدرِ، قَالَ: تؤمن بِاللَّه وَحده وَأَنه لَا شريك لَهُ وَأَنه لَا يملك مَعَه أحد ضرا وَلَا نفعا، وتؤمن بِالْجنَّةِ وَالنَّار وَتعلم أَن الله خلقهما قبل الْخلق ثمَّ خلق الْخلق فَجعل من شَاءَ مِنْهُم إِلَى الْجنَّة وَجعل مِنْهُم من شَاءَ إِلَى النَّار عدلا ذَلِك مِنْهُ.

علم رسول الله ﷺ لما في السماوات والأرض

علم رسول الله ﷺ لما في السماوات والأرض

وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَتَانِي اللَّيْلَة رَبِّي فِي أحسن صُورَة - قَالَ: أَحْسبهُ قَالَ: فِي الْمَنَام، قَالَ: يَا مُحَمَّد تَدْرِي فيمَ يختصم الْمَلأ الْأَعْلَى؟ قلت: لَا، فَوضع يَده بَين كَتِفي حَتَّى وجدت بردهَا بَين ثديي أَو نحري فَعلمت مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض.

وَقَالَ ابْن عمر: قَرَأَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذِه الْآيَة على منبره: {وَمَا قدرُوا الله حق قدره وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبضته يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ، وَنفخ فِي الصُّور فَصعِقَ من فِي السَّمَوَات وَمن في الْأَرْض إِلَّا من شَاءَ الله) فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام بِيَدِهِ يخبر عَن ربه عز وَجل: {وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبضته يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ} قَالَ: يَقُول: أَنا الْجَبَّار المتكبر، مَا زَالَ عَلَيْهِ السَّلَام يكررها حَتَّى رجفت بِهِ الْمِنْبَر قَالَ: قلت: لتقعن بِهِ، وَعَن أبي مُوسَى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِن الله تبَارك وَتَعَالَى يبسط يَده بِاللَّيْلِ ليتوب مسىء النَّهَار، ويبسط يَده بِالنَّهَارِ ليتوب مسىء اللَّيْل حَتَّى تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا، وإبليس لَا يقدر أَن يتَحَوَّل عَن خلقه إِلَّا بِسحر فَعرض نَفسه على الدَّوَابّ والبهائم وَالطير أَيّمَا يقبله فَلم يقبله شَيْء إِلَّا الْحَيَّة فَدخل فِي جوفها فَأوحى الله إِلَى آدم وحواء مَا أوحى.

وَعَن أُسَامَة بن زيد قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فَقُمْت على بَاب الْجنَّة فَرَأَيْت أَكثر مَا يدخلهَا الْفُقَرَاء وَإِذا أَصْحَاب الْجد محبوسون ثمَّ قُمْت على بَاب النَّار فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا النِّسَاء، وَعَن أنس بن مَالك قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: دخلت الْجنَّة فَإِذا أَنا بنهر يجْرِي حافتاه خيام اللُّؤْلُؤ فَضربت بيَدي إِلَى مَا يجْرِي فِيهِ فَإِذا مسك أذفر، قلت: يَا جِبْرِيل مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا الْكَوْثَر الَّذِي أَعْطَاك الله - أَو قَالَ: رَبك.

أحاديث رسول الله ﷺ عن خلق آدم

أحاديث رسول الله ﷺ عن خلق آدم:

وَعَن أبي مُوسَى الأشعري قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن الله يَوْم خلق آدم قبض من صلبه قَبْضَة فَوَقع كل طيب فِي يَمِينه وكل خَبِيث فِي يَده الآخرى فَقَالَ لأَصْحَاب الْيَمين: هَؤُلَاءِ فِي الْجنَّة وَهَؤُلَاء فِي النَّار وَلَا أبالي وَسُئِلَ عمر بن الْخطاب رَحْمَة الله عَلَيْهِ عَن هَذِه الْآيَة {وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم} فَقَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لما خلق الله عز وَجل آدم مسح ظَهره بِيَمِينِهِ فاستخرج مِنْهُ ذُرِّيَّة فَقَالَ: خلقت هَؤُلَاءِ للجنة، ثمَّ مسح ظَهره فاستخرج مِنْهُ ذُرِّيَّة فَقَالَ: خلقت هَؤُلَاءِ للنار.

وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لما خلق الله آدم كتب بِيَدِهِ: إِن رحمتي تغلب غَضبي، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: يَمِين الله ملأي لَا يقبضهَا سحاء اللَّيْل وَالنَّهَار أَرَأَيْتُم مَا أنْفق مُنْذُ يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فَإِنَّهُ لم ينقص مِمَّا فِي يَمِينه وَكَانَ عَرْشه على المَاء وَيَده الآخرى ترفع وتخفض، وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: أَخذ الله عز وَجل ذُرِّيَّة آدم من صلبه كَهَيئَةِ الذَّر ثمَّ قَالَ: يَا فلَان اعْمَلْ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ: يَا فلَان امسك كَذَا وَكَذَا، ثمَّ قبض يَمِينه وَقبض بِيَدِهِ الآخرى وَقَالَ لمن فِي يَمِينه: ادخُلُوا الْجنَّة بِسَلام، وَقَالَ لمن فِي يَده الآخرى: أدخلُوا النَّار وَلَا أبالي وَعَن ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِن أول شَيْء خلقه الله جلّ اسْمه الْقَلَم وَأخذ بِيَمِينِهِ وكلتا يَدَيْهِ يَمِين فَكتب الدُّنْيَا وَمَا يكون فِيهَا.

فضل الصدقة

فضل الصدقة

وَقَالَ ابْن مَسْعُود: خلق الله آدم مِمَّا وَصفه فِي كِتَابه ثمَّ أسْكنهُ الْجنَّة وإبليس إِنَّمَا خلقه ريحًا يدْخل فِي فَم الشَّيْء وَيخرج من دبره، وَقَالَ {ألم يعلمُوا أَن الله هُوَ يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَأْخُذ الصَّدقَات وَأَن الله هُوَ التواب الرَّحِيم}.

وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن العَبْد إِذا تصدق من طيب يتقبلها الله مِنْهُ ويربيها كَمَا يُربي أحدكُم مهره أَو فَصِيله وَأَن الرجل ليتصدق باللقمة فتربو فِي يَد الله - أَو فِي كف الله حَتَّى تكون مثل جبل، فتصدقوا.

إنكار جهم لخلق الجنة والنار والرد عليه

إنكار جهم لخلق الجنة والنار والرد عليه:

وَأنكر جهم أَن الله جلّ اسْمه خلق الْجنَّة وَالنَّار وَالله عز وَجل يَقُول: {اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة وكلا مِنْهَا رغدا حَيْثُ شئتما وَلَا تقربا هَذِه الشَّجَرَة فتكونا من الظَّالِمين} [البقرة: ٣٥].

إنكار جهم بأن لله يدا والرد عليه

إنكار جهم بأن لله يدا والرد عليه:

قَالَ أَبُو عَاصِم: وَأنكر جهم أَن يكون لله تَعَالَى يَد، وَكذب على الله عز وَجل، وَالله يَقُول: {وَقَالَت الْيَهُود يَد الله مغلولة غلت أَيْديهم ولعنوا بِمَا قَالُوا بل يَدَاهُ مبسوطتان ينْفق كَيفَ يَشَاء وليزيدن كثيرا مِنْهُم مَا أنزل إِلَيْك من رَبك طغيانا وَكفرا وألقينا بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء إِلَى يَوْم الْقِيَامَة كلما أوقدوا نَارا للحرب أطفأها الله ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا وَالله لَا يحب المفسدين} وَقَالَ: {قال يَا إِبْلِيس مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من الْعَالين} وَقَالَ: {وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبضته يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ} وَقَالَ {إِن الَّذين يُبَايعُونَك إِنَّمَا يبايعون الله يَد الله فَوق أَيْديهم فَمن نكث فَإِنَّمَا ينْكث على نَفسه وَمن أوفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ الله فسيؤتيه أجرا عَظِيما}.

وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: إِنَّمَا سمى آدم لِأَنَّهُ من أَدِيم الأَرْض قَبضه من تربة الأَرْض فخلقه مِنْهَا وَفِي الأَرْض الْبيَاض والحمرة والسواد وَكَذَلِكَ ألوان النَّاس مُخْتَلفَة.

وَعَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله عز وَجل {وقربناه نجيا} قَالَ: سمع صريف الْقَلَم حِين كتب فِي اللَّوْح، وَعَن ابْن مَسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أول من يكسى يَوْم الْقِيَامَة يَقُول الله عز وَجل: أكسوا خليلي إِبْرَاهِيم ثمَّ أكسي على أَثَره ثمَّ أقوم عَن يَمِين الله مقَاما يغبطني بِهِ الْأَولونَ وَالْآخرُونَ، وَفِي حَدِيث آخر: ساعد الله أَشد ومُوسَى الله أحد، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: مَا التقى فئتان إِلَّا وكف الله بَينهمَا، فَإِذا أَرَادَ الله أَن يهْزم إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أمال كَفه بَينهمَا، وَعَن أم سَلمَة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: مَا من خلق من بني آدم إِلَّا وَقَلبه بَين أصبعين من أَصَابِع الله إِن شَاءَ أَقَامَهُ وَإِن شَاءَ أزاغه، قَالَ جَابر بن عبد الله: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يكثر من القَوْل: يَا مُقَلِّب الْقُلُوب ثَبت قُلُوبنَا على دينك، قَالَ لَهُ رجل من أَصْحَابه: تخَاف علينا وَقد آمنا بك وَمَا جِئْت بِهِ؟ قَالَ: الْقلب بَين أصبعين من أَصَابِع الرَّحْمَن، يَقُول بهَا هَكَذَا وقلب بِأُصْبُعَيْهِ السبابَة وَالْوُسْطَى.

وَعَن ابْن مَسْعُود فِي قَوْله {يكْشف عَن سَاق} قَالَ: عَن سَاق عَرْشه تبَارك وَتَعَالَى، وَقَالَ أَيْضا: يقومُونَ يَوْم الْقِيَامَة لرب الْعَالمين فَعِنْدَ ذَلِك يكْشف عَن سَاق فَلَا يبْقى مُؤمن إِلَّا خر سَاجِدا وَيبقى المُنَافِقُونَ ظُهُورهمْ طبقًا وَاحِدًا، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: أيفرح أحدكُم براحلته إِذا ضلت ثمَّ وجدهَا؟ قَالُوا: نعم، قَالَ: وَالَّذِي نفسي بِيَدِهِ الله أَشد فَرحا بتوبة عَبده إِذا تَابَ من أحدكُم براحلته، رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة، وروى أَيْضا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: تَحَاجَّتْ الْجنَّة وَالنَّار فَقَالَ الله عز وَجل للجنة: إِنَّمَا أَنْت رحمتي أرْحم بك من أَشَاء من عبادي، وَقَالَ للنار: إِنَّمَا أَنْت عذابي أعذب بك من أَشَاء من عبادي وَلكُل وَاحِدَة مِنْكُمَا ملؤُهَا، فَأَما أهل النَّار فيلقون فِيهَا وَتقول: هَل من مزِيد؟ وَلَا تمتلئ حَتَّى يضع رجله - أَو قَالَ قدمه فيها، فَتَقول: قطّ قطّ قطّ، فهناك تمتلئ وتنزوى، وَأما الْجنَّة فَإِن الله ينشئ لَهَا مَا شَاءَ.

إنكار جهم للشفاعة والرد عليه

إنكار جهم للشفاعة والرد عليه:

وَأنكر جهم الشَّفَاعَة وَأَن قوما يخرجُون من النَّار وَأَبُو هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن لكل نبي دَعْوَة مستجابة وإني اخْتَبَأْت دعوتي شَفَاعَة لأمتي وهي نائلة لكم إِن شَاءَ الله وَلمن مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا.

وَعَن أنس أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِن قوما يخرجُون من النَّار قد أَصَابَهُم سفع من النَّار عُقُوبَة بذنوب عملوها ثمَّ يخرجهم الله من النَّار بِفضل رَحمته فيدخلهم الْجنَّة.

وَقَالَ جَابر بن عبد الله: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: يخرج قوم بالشفاعة، وَعَن عَليّ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: يدْخل أنَاس من أمتي النَّار فيحرقون حَتَّى يعودوا فحما فأستشفع لَهُم فَيدْخلُونَ الْجنَّة، وَقَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ: سيخرج بعدكم قوم يكذبُون بِالرَّجمِ ويكذبون بالدجال ويكذبون بِعَذَاب الْقَبْر ويكذبون بِقوم يخرجُون من النَّار.

وَعَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن الرجل ليشفع فِي مثل ربيعَة وَمُضر، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: ليدخلن بشفاعة رجل من أمتي أَكثر من بني تَمِيم، قَالَ أَبُو ذَر: سواك يَا رَسُول الله؟ قَالَ: سواي، وَعنهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَنه قَالَ: إِن من أمتي لمن يشفع فِي أَكثر من ربيعَة وَمُضر.

وَعَن الْحسن بن عَليّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن أَصْحَاب الْكَبَائِر من موحدي الْأُمَم الَّذين مَاتُوا على كبائرهم غير نادمين تأخذهم النَّار على قدر أَعْمَالهم ثمَّ يخرجهم الله من النَّار فيدخلهم الْجنَّة.

إنكار جهم للإسراء والرد عليه

إنكار جهم للإسراء والرد عليه:

وَأنكر جهم أَن الله اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء، وَالله تبَارك وَتَعَالَى يَقُول: {هُوَ الَّذِي خلق لكم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فسواهن سبع سموات وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم}.

وَعَن عِكْرِمَة قَالَ: إِن الله تَعَالَى خلق آدم بِيَدِهِ كَرَامَة لِابْنِ آدم وغرس الْجنَّة بِيَدِهِ كَرَامَة لِابْنِ آدم وَكتب التَّوْرَاة بِيَدِهِ وَخلق السَّمَوَات وَالْأَرضين وكل شَيْء خلقه فِي سِتَّة أَيَّام فَبَدَأَ فِي خلقهمْ يَوْم الْأَحَد والإثنين وَالثُّلَاثَاء، وَالْأَرْبِعَاء وَالْخَمِيس وَالْجُمُعَة ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش فِي ثَلَاث سَاعَات بَقينَ من يَوْم الْجُمُعَة، فخلق فِي سَاعَة فِيهَا النتن الَّذِي أَلْقَاهُ على ابْن آدم كي لَا يعبدوه، وَفِي سَاعَة مِنْهَا السوس الَّذِي يَقع فِي الطَّعَام لكي يرغب الْعباد إِلَى الله، وَقَالَ مُجَاهِد: قَوْله: {هُوَ الَّذِي خلق لكم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فسواهن سبع سموات وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم} يَقُول: خلق سبع سموات بَعْضهَا فَوق بعض وَسبع أَرضين بَعْضهَا تَحت بعض.

إنكار جهم كلام الله لموسى عليه السلام والرد عليه

إنكار جهم كلام الله لموسى عليه السلام والرد عليه:

وَأنكر جهم أَن الله كلم مُوسَى تكليما وَالله يَقُول {وَلما جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلمه ربه قَالَ رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك قَالَ لن تراني وَلَكِن انْظُر إِلَى الْجَبَل فَإِن اسْتَقر مَكَانَهُ فَسَوف تراني} وَقَالَ لمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام {قال يا موسى إني اصطفيتك على النَّاس برسالاتي وبكلامي فَخذ مَا آتيتك وَكن من الشَّاكِرِينَ} وَقَالَ {فَلَمَّا أَتَاهَا نودي يَا مُوسَى إني أَنا رَبك فاخلع نعليك إِنَّك بالوادي الْمُقَدّس طوى وَأَنا اخْتَرْتُك فاستمع لما يُوحى إنني أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني وأقم الصَّلَاة لذكري إِن السَّاعَة آتِيَة أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بِمَا تسْعَى} وَقَالَ {وَمَا أعجلك عَن قَوْمك يَا مُوسَى} وَقَالَ {وَإِذ نَادَى رَبك مُوسَى} وَقَالَ {فَلَمَّا جاءها نُودي أَن بورك من فِي النَّار وَمن حولهَا وَسُبْحَان الله رب الْعَالمين يَا مُوسَى إِنَّه أَنا الله الْعَزِيز الْحَكِيم} وَقَالَ {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودي من شاطئ الْوَادي الْأَيْمن فِي الْبقْعَة الْمُبَارَكَة من الشَّجَرَة أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنا الله رب الْعَالمين} وَقَالَ {وناديناه من جَانب الطّور الْأَيْمن وقربناه نجيا} وَقَالَ {وَمَا كنت بِجَانِب الطّور إِذْ نادينا}.

فَأَما الْأَثر فَإِن كَعْبًا قَالَ: لما كلم الله مُوسَى كَلمه بالألسن كلهَا قبل أَن يكلمهُ بِكَلَامِهِ قَالَ لَهُ مُوسَى: أي رب أَهَذا كلامك؟ قَالَ: لَا وَلَو كلمتك بكلامي لم تستقم أَو لم تَكُ شَيْئا، قَالَ: رب فَهَل من خلقك من يشبه كَلَامه كلامك؟ قَالَ: أَشد خلقي شبها بكلامي مَا تَسْمَعُونَ من هَذِه الصَّوَاعِق.

وَقَالَ وهب: نودي من الشَّجَرَة فَقيل: يَا مُوسَى، فَأجَاب سَرِيعا وَمَا يدري من دَعَاهُ وَمَا سرعَة إجَابَته إِلَّا أنسا بالأنس فَقَالَ: لبيْك إني لأسْمع صَوْتك وَلَا أرى مَكَانك فَأَيْنَ أَنْت؟ قَالَ: أَنا فَوْقك ومعك وأمامك وخلفك وَأقرب إِلَيْك من نَفسك، فَلَمَّا سمع مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام علم أَنه لَا ينبغي ذَلِك إِلَّا لرَبه عز وَجل فأيقن بِهِ فَقَالَ: كَذَلِك أَنْت يَا إلهي فكلامك أسمع أم رَسُولك؟ قَالَ: بل أَنا الَّذِي أُكَلِّمك، ثمَّ قَالَ الرب جلّ وَعز: إني أقمتك الْيَوْم مقَاما لَا ينبغي لبشر بعْدك أَن يقومه أدنيتك وقربتك حَتَّى سَمِعت كلامي وَكنت بأقرب الْأَمْكِنَة مني فَانْطَلق برسالتي فَإنَّك بعيني وسمعي ومعك أيدي ونصري وَقد ألبستك جنَّة من سلطاني تستكمل بهَا الْقُوَّة فِي أمري.

وَقَالَ مُجَاهِد: قوله عز وَجل: {فَمنهمْ من كلم الله} قَالَ: كلم مُوسَى وَأرْسل مُحَمَّدًا عَلَيْهِمَا السَّلَام، وَقَالَ كَعْب: كلم الله عز وَجل مُوسَى مرَّتَيْنِ.

وَعَن أبي سعيد الخدري قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قَالَ آدم لمُوسَى: أَنْت الَّذِي اصطفاك الله بِكَلَامِهِ وَذكر الحَدِيث.

قول الجهمية بأن القرآن مخلوق والرد عليه

قول الجهمية بأن القرآن مخلوق والرد عليه:

وَيُقَال للجهمية أَيْضا: {خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض} و {خلق من المَاء بشرا} وَقَالَ فِي كِتَابه {خلق الْمَوْت والحياة} وَقَالَ {خَلقكُم فمنكم كَافِر ومنكم مُؤمن} فَهَل وجدْتُم فِي كتاب الله عز وَجل أَنه يخبر عَن الْقُرْآن أَنه خلقه كَمَا خلق هَذِه الْأَشْيَاء؟ أَلَيْسَ الله عز وَجل يَقُول {رب الْمَشَارِق والمغارب} و {رب هَذِه الْبَلدة الَّذِي حرمهَا} وَقَالَ {ربكُم وَرب آبائكم الْأَوَّلين} فَهَل قَالَ فِي الْقُرْآن رب الْقُرْآن كَمَا قَالَ لهَذِهِ الْأَشْيَاء إِنَّه رَبهَا؟ أَو هَل تَجِد شَيْئا فِي سنَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن الله خلق الْقُرْآن وَهُوَ ربه؟ بل قَالَ: دعوا كل شَيْء مُبْتَدع إِذا أَتَى آتٍ بِشَيْء لَيْسَ فِي كتاب الله وَلَا فِي سنة رَسُوله فدعواه بَاطِل، أَلا ترى أَن الْجَهْمِية يَنْبَغِي أَن يُقَال لَهُم فِي دَعوَاهُم {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا} و {وجعلناه نورا نهدي بِهِ} إِن جعل فِي الْقُرْآن على مَعْنيين على خلق وعَلى غير خلق فَالَّذِي على خلق لَا يكون إِلَّا على خلق وَلَا يقوم إِلَّا مقَام خلق وَلَا يَزُول عَنهُ الْمَعْنى وَالَّذِي على غير الْخلق لَا يكون خلق وَلَا يقوم مقَام الْخلق وَلَا يَزُول عَنهُ الْمَعْنى، وَقد ذكر الله عز وَجل جعل المخلوقين وَلكُل جعل فِي الْقُرْآن طَرِيق وَمذهب، فَالَّذِي ذكر الله من جعل المخلوقين قَوْله: {وَجعلُوا الْمَلَائِكَة الَّذين هم عباد الرَّحْمَن إِنَاثًا أشهدوا خلقهمْ سنكتب شَهَادَتهم ويسألون وَذَلِكَ أَنهم وصفوا الْمَلَائِكَة أَنهم إناث} وَقَوله {وَجعلُوا لله شُرَكَاء} ووصفوا أَن لله شُرَكَاء وَقَالَ {جعلُوا الْقُرْآن عضين} وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا: إِن الْقُرْآن شعر وأساطير الْأَوَّلين، يَقُول: سموهُ بأَشْيَاء وَقَالَ {جعلُوا أَصَابِعهم فِي آذانهم} فَهَذَا خبر عَن فعل من أفعالهم وَقَالَ {حَتَّى إِذا جعله نَارا} فَهَذَا أَيْضا خبر عَن فعل.

ثمَّ ذكر جعل مِنْهُ على معنى الْخلق فَقَالَ {الْحَمد لله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَجعل الظُّلُمَات والنور} يَقُول: خلق الظُّلُمَات والنور فأوقع اسْم الْخلق على الظُّلُمَات والنور وَقَالَ {وَجعل لكم السّمع والأبصار} فأوقع اسْم الْخلق على الأسماع والأبصار وَقَالَ {وَجعلت لَهُ مَالا ممدودا} {وَجَعَلنَا اللَّيْل وَالنَّهَار آيَتَيْنِ} {وَجعل الشَّمْس سِرَاجًا} يَقُول: وَخلق الشَّمْس سِرَاجًا، وَمثله فِي الْقُرْآن كثير أذكرهُ فِي آخر الْكتاب إِن شَاءَ الله فِي بَاب الْحجَّاج، وَاعْلَم أَن كل مَا وَقع عَلَيْهِ اسْم الْخلق هُوَ مَوْجُود فِي ذَاته، ثمَّ ذكر الْجعل على غير معنى الْخلق فَقَالَ: {مَا جعل الله من بحيرة وَلَا سائبة ولا وصيلة وَلَا حام وَلَكِن الَّذين كفرُوا يفترون على الله الْكَذِب وَأَكْثَرهم لَا يعْقلُونَ} لَا يَعْنِي مَا خلق الله من بحيرة، وَقَالَ لإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام {إِنِّي جاعلك للنَّاس إِمَامًا} لَا يَعْنِي بذلك خالقك لِأَن خلق إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام قد تقدم، وَقَول إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام {رب اجْعَلنِي مُقيم الصَّلَاة} لَا يَعْنِي اخلقني، وَكَذَلِكَ قَالَ الله عز وَجل لأم مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام {إِنَّا رادوه إِلَيْك وجاعلوه من الْمُرْسلين} فَمَعْنَاه التصيير، وَقَوله {لَا تجعلنا فتْنَة} لَا يعنون: لَا تخلقنا فتْنَة، وَقَوله {وَلَا تجْعَلُوا الله عرضة لأيمانكم} وَقَوله {لَا تجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُول بَيْنكُم} وَقَوله {وَلنْ يَجْعَل الله للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا} وَمثله فِي الْقُرْآن كثير وَمَا يكون على مِثَاله لَا يكون الْجعل على معنى الْخلق، وَأما قَوْله {وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نورا} فَمَعْنَاه أَنزَلْنَاهُ نورا ومصداق ذَلِك قَوْله عز وَجل {فآمنوا بِاللَّه وَرَسُوله والنور الَّذِي أنزلنَا} وَقَالَ {يَا أَيهَا النَّاس قد جَاءَكُم برهَان من ربكُم وأنزلنا إِلَيْكُم نورا مُبينًا} وَقَالَ {فَالَّذِينَ آمنُوا بِهِ وعزروه ونصروه وَاتبعُوا النُّور الَّذِي أنزل مَعَه أُولَئِكَ هم المفلحون} وَقَالَ {قل من أنزل الْكتاب الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نورا وَهدى للنَّاس} والجعل فِي الْقُرْآن على وُجُوه يعلم ذَلِك أهل الْعلم والمعرفة بِاللَّه وبكتابه ويجهله من جهل عَن الله وَكتابه، فَأَما قَوْله {إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ من ذكر وَأُنْثَى وجعلناكم شعوبا وقبائل} بعد مَا خلقهمْ، وَقَالَ {وَالله جعل لكم مِمَّا خلق ظلالا} بعد مَا خلق لَهُم جعل لَهُم ظلالا، وَقَالَ {الرَّحْمَن علم الْقُرْآن} ثمَّ قَالَ {خلق الْإِنْسَان} وَلَو شَاءَ لقَالَ: الرَّحْمَن خلق الْقُرْآن غير أَن الله عز وَجل لَا يُسمى الْأَسْمَاء إِلَّا باسم الْحق والصدق وَقَالَ {وَمن أصدق من الله قيلا} أَلا ترى إِلَى قَوْله {الرَّحْمَن علم الْقُرْآن خلق الْإِنْسَان} يخبر بِخلق غير خلق الْقُرْآن، فَلَا حجَّة لجهم المارق وَلَا لمن تبعه فَافْهَم.

إنكار جهم بأن الله يتكلم والرد عليه

إنكار جهم بأن الله يتكلم والرد عليه:

وينبغي أَن يُقَال للجهمية: من يُحَاسب النَّاس يَوْم الْقِيَامَة إِن كَانَ لم يكلم وَلَا يتَكَلَّم؟ أَلَيْسَ هُوَ الْمخبر {فلنسألن الَّذين أرسل إِلَيْهِم ولنسئلن الْمُرْسلين} وَقَوله لعيسى عَلَيْهِ السَّلَام {أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يكون لي أَن أَقُول مَا لَيْسَ لي بِحَق إِن كنت قلته فقد عَلمته تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك إِنَّك أَنْت علام الغيوب} فَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام الْحق وَلم يدع كذبا {وَمَا قلت لَهُم إِلَّا مَا أمرتني بِهِ}.

كلام الله عز وجل

كلام الله عز وجل

وَأنكر جهم أَن الله تَعَالَى يتَكَلَّم وَالله يَقُول: {أفتطمعون أَن يُؤمنُوا لكم وَقد كَانَ فريق مِنْهُم يسمعُونَ كَلَام الله ثمَّ يحرفونه من بعد مَا علقوه وهم يعْلَمُونَ} وَقَالَ: {لَا تَبْدِيل لكلمات الله} وَقَالَ {وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله ثمَّ أبلغه مأمنه ذَلِك بِأَنَّهُم قوم لَا يعلمُونَ} وَقَالَ {وَلَا مبدل لكلمات الله وَلَقَد جَاءَك من نبإ الْمُرْسلين} وَقَالَ {واتل مَا أُوحِي إِلَيْك من كتاب رَبك لَا مبدل لكلماته} وَقَالَ {لَو كَانَ الْبَحْر مدادا لكلمات رَبِّي لنفد الْبَحْر قبل أَن تنفد كَلِمَات رَبِّي وَلَو جِئْنَا بِمثلِهِ مدَدا} وَقَالَ: {لَو أَن مَا في الأَرْض من شَجَرَة أَقْلَام وَالْبَحْر يمده من بعده سَبْعَة أبحر مَا نفدت كَلِمَات الله}، وَقَالَ: {يريدون أن يبدلوا كلام الله}، وَقَالَ: {أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُون فِي بطونهم إِلَّا النَّار وَلَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم} وَقَالَ {وتمت كلمة رَبك لأملأن جَهَنَّم} وَقَالَ {وَإِذ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة قَالُوا أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك ونقدس لَك قَالَ إِنِّي أعلم مَا لَا تعلمُونَ} وَقَالَ {إِذْ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة إِنِّي خَالق بشرا من طين} وَقَالَ {شهد الله إِنَّه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة وَأولُوا الْعلم قَائِما بِالْقِسْطِ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم} وَقَالَ {كَمثل آدم خلقه من تُرَاب ثمَّ قَالَ لَهُ كن فَيكون} وَقَالَ {وَإِذا قضى أمرا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون} وَقَالَ {وَمن أصدق من الله قيلا} وَقَالَ {فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون} وَقَالَ {إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون} وَقَالَ {وناداهما ربهما ألم أنهكما عَن تلكما الشَّجَرَة وَأَقل لَكمَا إِن الشَّيْطَان لَكمَا عَدو مُبين} وَقَالَ {يَوْم يجمع الله الرُّسُل} وَقَالَ {إِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم اذكر نعمتي عَلَيْك وعَلى والدتك إِذْ أيدتك بِروح الْقُدس تكلم النَّاس فِي المهد وكهلا وَإِذ علمتك الْكتاب وَالْحكمَة والتوراة والأنجيل وَإِذ تخلق من الطين كَهَيئَةِ الطير بإذني فتنفخ فِيهَا فَتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وَإِذ تخرج الْمَوْتَى بإذني وَإِذ كَفَفْت بني إِسْرَائِيل عَنْك إِذْ جئتهم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذين كفرُوا إِن هَذَا إِلَّا سحر مُبين) وَقَالَ {إِنِّي متوفيك ورافعك إِلَيّ ومطهرك من الَّذين كفرُوا وجاعل الَّذين اتبعوك فَوق الَّذين كفرُوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ إِلَيّ مرجعكم فأحكم بَيْنكُم فِيمَا كُنْتُم فِيهِ تختلفون} وَقَالَ {هَذَا يَوْم ينفع الصَّادِقين صدقهم} وَقَالَ {وَإِذ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة إِنِّي خَالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون} وَقَالَ {وَالله يَقُول الْحق وَهُوَ يهدي السَّبِيل} وَقَالَ {فَقَالَ لَهَا وللأرض ائتيا طَوْعًا أَو كرها قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين} وَفِي الْقُرْآن مثل هَذَا كثير.

فَأَما الْآثَار فَإِن ابْن مَسْعُود قَالَ: إِنَّمَا هِيَ اثْنَتَانِ: الْهدى وَالْكَلَام، فَأحْسن الْكَلَام كَلَام الله وَأحسن الْهدى هدى مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَشر الْأُمُور محدثاتها.

وَعَن أبي أُمَامَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا تقرب الْعباد إِلَى الله عز وَجل بِمثل مَا خرج مِنْهُ - يعْني الْقُرْآن.

وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: خلق الله لوحا مَحْفُوظًا من درة بَيْضَاء دفتاه ياقوتة كَلَامه بر وَكتابه نور وَعرضه مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض ينظر فِيهِ كل يَوْم ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ نظرة يخلق بِكُل نظرة وَيحيي وَيُمِيت ويعز ويذل وَيفْعل مَا يَشَاء.

وَقَالَ جَابر بن عبد الله: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعرض نَفسه فِي الْمَوْسِم على النَّاس فِي الْموقف يَقُول: هَل من رجل يحملني إِلَى قومه فَإِن قُريْشًا منعوني أَن أبلغ كَلَام ربى عز وَجل، فَأَتَاهُ رجل من بني هَمدَان فَقَالَ: أَنا، فَقَالَ: أَو عِنْد قَوْمك لي مَنْعَة؟ وَسَأَلَهُ من هُوَ قَالَ: من هَمدَان، ثمَّ إِن الهمداني خشى إِن يجفوه قومه فَقَالَ: يَا رَسُول الله آتيهم فَأخْبرهُم ثمَّ أَلْقَاك من قَابل، فَانْطَلق وَجَاءَت وُفُود الْأَنْصَار فِي رَجَب.

📚 کتێبەکان