Latest Posts

نوێترین ئەثەر

باب اتباع الأثر والسنة في تقدمة أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما

بَاب اتبَاع الْأَثر وَالسّنة فِي تقدمة أبي بكر وَعمر رضوَان الله عَلَيْهِمَا
أخْبُرْنَا المخلدي، قَالَ حَدثنَا الأسفرايني، قَالَ: سَمِعت صَالح يَقُول: قلت لأبي: أَي شَيْء تذْهب فِي التَّفْضِيل؟

قَالَ: إِلَى حَدِيث ابْن عمر.
قَالَ: تَذْهَب إِلَى حَدِيث سفينة؟
قَالَ: نعم نستعمل الْخَبَرَيْنِ جَمِيعًا.
حَدِيث سفينة: الْخلَافَة ثَلَاثُونَ سنة.

فمنك أَبُو بكر سنتَيْن وَشَيْء، وَعمر عشرا، وَعُثْمَان اثْنَا عشر، وَعلي سِتا رضوَان الله عَلَيْهِم.

قلت: فإن قَالَ قَائِل: لم تثبت خلَافَة عَليّ يَنْبَغِي لَك أَن تربع.
قَالَ: إِنَّمَا، نتبع مَا جَاءَ.
أما قَوْلنَا نَحن: (عَليّ) عِنْدِي من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهدين، قد سمى نَفسه أَمِير الْمُؤمنِينَ، وأهل بدر متوافرون يسمونه أَمِير الْمُؤمنِينَ، ويحج بِالنَّاسِ، وَيقطع، ويرجم.

قلت: فإن قَالَ قد يجد الْخَارِجِي حِين يحرج بئس أَمِير الْمُؤمنِينَ؟

قَالَ: هَذَا قَول سوء خَبِيث ردىء.
فَيَقُول عَليّ: إِنَّمَا كَانَ خارجي بئس القَوْل، نَعُوذ بِاللَّه من الغلو.

وَسُئِلَ وَأَنا شَاهد عَن من يقدم عليا على عُثْمَان تبدع؟

قَالَ: هَذَا أهل أَن يبدع، أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قدمُوا عُثْمَان.

وَسُئِلَ أبي وَأَنا شَاهد عَن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام؟

فَقَالَ: قَالَ ابْن أبي ذُؤَيْب: الْإِسْلَام القَوْل، وَالْإِيمَان الْعَمَل.

قيل لَهُ: مَا تَقول أَنْت؟

قَالَ: الْإِسْلَام غير الْإِيمَان.

قَالَ الزُّهْرِيّ فِي حَدِيث عَامر بن سعد حِين قَالَ الرجل يَا رَسُول الله: أنه مُؤمن، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مُسلم.

باب الصلاة خلف القدري والرافضي

بَاب الصَّلَاة خلف القدري والرافضي
أخْبُرْنَا المخلدي، قَالَ حَدثنَا الأسفراييني، قَالَ: سَمِعت صَالح يَقُول: سَألَتْ أبي: يُصَلِّي الرجل خلف القدري، فَإِذا قَالَ: إِن الله لَا يعلم مَا يعْمل الْعباد حَتَّى يعملوا.

قَالَ: لَا يصلى خَلفه.

سَمِعت صَالح، يَقُول: قَالَ أبي: لَا يصلى خلف الرافضي إِذا كَانَ يتَنَاوَل أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

باب من أريد على أن يقول القرآن مخلوق فأجاب إلى هذا والصلاة خلفه وخلف من ارتد

بَاب من أُرِيد على أَن يَقُول الْقُرْآن مَخْلُوق فأجاب إِلَى هَذَا وَالصَّلَاة خَلفه وَخلف من ارْتَدَّ
أخْبُرْنَا المخلدي، قَالَ حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد الأسفراييني، قَالَ أَبُو الْفضل: قَالَ أبي: إِن امتحن فَلَا يُجيب وَلَا كَرَاهَة، فالمكروه لَا يكون عِنْدِي إِلَّا أَن ينَال بِضَرْب أَو بتعذيب، فَأَما المتهدد فَلَا يكون عِنْدِي بالتهديد مكْرها، لَأن الْآيَة الَّتِي قَالَ الله فِيهَا {إِلَّا من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان} فالإيمان نزلت فِي عمار، وَكَانَ عمار عذب.

قلت لأبي: فَإِذا اجْتمع رجلَانِ: أَحدهمَا قد امتحن، وَالْآخر لم يمْتَحن، ثمَّ حضرت الصَّلَاة؟
قَالَ يتَقَدَّم الَّذِي لم يمْتَحن.

وَقَالَ أبي: كَانَ سُفْيَان بن عنينة يحدث هَذَا الحَدِيث وَلم أسْمَعْهُ أَنا عَن إِسْمَاعِيل عَن قيس، قَالَ: اجْتمع الْأَشْعَث بن قيس وَجَرِير على جَنَازَة، فقدمه الْأَشْعَث عَلَيْهَا، وَقَالَ الْأَشْعَث للنَّاس: إِنِّي ارتددت، وإنه لم يرْتَد، وأعجب أبي هَذَا الحَدِيث.

قَالَ أَبُو الْفضل: حَدثنَا عَليّ بن عبد الله بن سُفْيَان بن عيينة.

قَالَ أَبُو الْفضل: وَضرب أبي على حَدِيث كل من أجَاب.

وَقَالَ أَبُو الْفضل: قدم ابن رَبَاح يُرِيد الْبَصْرَة فَبَلغهُ أَن عبد الله القواريري شيعه أَو سلم عَلَيْهِ فَصَارَ القواريري إِلَى أبي فَلَمَّا نظر إِلَيْهِ، قَالَ: ألم يكف مَا كَانَ مِنْك من الْإِجَابَة حَتَّى سلمت على ابْن رَبَاح، ورد الْبَاب فِي وَجهه.

وجاءه الْحزَامِي - وَقد ذهب إِلَى ابْن دؤاد - فدق الْبَاب، فَلَمَّا خرج إِلَيْهِ وَرَآهُ، أغلق الْبَاب وَدخل.

سَمِعت صَالح، يَقُول: قَالَ أبي: لَا يشْهد رجل عِنْد قَاض جهمي.

سَمِعت صَالح، قَالَ: وَسُئِلَ أبي عَن الرجل يكون قد أشْهَدْ رجلا على شَهَادَة يَدعُوهُ إِلَى القَاضِي ليشهد لَهُ، وَالْقَاضِي جهمي، قَالَ: لَا يذهب إِلَيْهِ.

قيل لَهُ: فإن استعدى عَلَيْهِ فَذهب بِهِ فامتحن؟

قَالَ: لَا يُجيب وَلَا كَرَاهَة، يَأْخُذ كفا من تُرَاب يضْرب بِهِ وَجهه.

باب قول الواقفة في القران وما يجب عليهم

بَاب قَول الواقفة فِي الْقرَان وَمَا يجب عَلَيْهِم
أخْبُرْنَا المخلدي، قَالَ حَدثنَا أَبُو بكر عبد الله بن مُحَمَّد الأسفراييني، قَالَ أَبُو الْفضل: سَمِعت أبي يَقُول: افْتَرَقت الْجَهْمِية على ثَلَاثَ فرق:

فرقة قَالُوا: الْقُرْآن مَخْلُوق.

وَفرْقَة قَالُوا: كَلَام الله وتسكت.

وَفرْقَة قَالُوا: لفظنا بالقران مَخْلُوق.

قَالَ الله عز وَجل فِي كِتَابه {فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله} فجبريل سَمعه من الله، وسَمعه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام، وسَمعه أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من النَّبِي، فالقرآن كَلَام الله غير مَخْلُوق.

قَالَ صَالح: قلت لأبي: وَلَا يكلم من وقف؟

قَالَ: لَا يكلم.

قلت: قَالَ كَلمه رجل، قَالَ: يَأْمُرهُ، فإن ترك كَلَامه كَلمه، وإن لم يتْرك كَلَامه فَلَا تكَلمه.

باب التنبيه واتباع الأثر بالقول في القرآن

بَاب التَّنْبِيه وَاتِّبَاع الْأَثر بالْقَوْل فِي الْقُرْآن
حَدثنَا أَبُو الْفضل صالح بن أحْمَد بن حَنْبَل، قَالَ: قَالَ أبي: أسماء الله فِي الْقرَآن، وَالْقرَآن من علم الله، وَعلم الله لَيْسَ بمخلوق، وَالْقرَآن كَلَام الله لَيْسَ بمخلوق على كل وَجه، وعَلى كل جِهَة، وعَلى أَي حَال.

فَقيل لأبي عبد الله: قوم يقولون إِذا قَالَ الرجل كَلَام الله لَيْسَ بمخلوق، يَقُولُونَ من أمامك فِي هَذَا؟ وَمن أَيْن قلت لَيْسَ بمخلوق؟ قَالَ: الْحجَّة قَول الله تبَارك وَتَعَالَى {فَمن حاجك فِيهِ من بعد مَا جَاءَك من الْعلم} فَمَا جَاءَهُ غير الْقرَآن.

قَالَ: الْقرَآن من علم الله، وَعلم الله لَيْسَ بمخلوق، وَالْقرَآن كَلَام الله لَيْسَ بمخلوق، وَمثل هَذَا فِي الْقرَآن كثير.

قيل لَهُ: يُجزئ أَن أَقُول هَذَا قَول جهم، وعَلى كل حَال هُوَ كَلَام الله.

قَالَ: نعم

قيل لَهُ: فأحد من الْعلمَاء قَالَ: لَيْسَ بمخلوق.

قَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد، قَالَ صَالح، فَحَدثني أبي: أملاه عَليّ من كِتَابه.

قَالَ حَدثنَا مُوسَى بن دَاوُد، قَالَ حَدثنَا أَبُو عبد الرَّحْمَن بن معبد عَن مُعَاوِيَة بن عمار الدَّهنيّ قَالَ: قُلْنَا لجَعْفَر، إنهم يسألونا عَن الْقُرْآن أمخلوق هُوَ؟

قَالَ: لَيْسَ بخالق وَلَا مَخْلُوق، وَلكنه كَلَام الله.

قَالَ أبي: وَقد رَأَيْت معبد، وَبَلغنِي أنه كَانَ يُفْتِي بِرَأْي ابْن أبي ليلى.

سَمِعت أَبَا الْفضل يَقُول: سَمِعت أَبَا عبد الله بن جَعْفَر بن عبد الْوَاحِد، قَالَ: حَدثنَا عبد الْأَحَد بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: سَمِعت الْمعَافى، قَالَ: سَمِعت الأوزاعي، قَالَ: كَانَ الزُّهْرِيّ وَمَكْحُول يَقُولَانِ: كَلَام الله غير مَخْلُوق.

قَالَ أَبُو الْفضل، قلت لأبي: من قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق يكلم؟
قَالَ: هَذَا لَا يكلم، وَلَا يصلى خَلفه، وإن صلى رجل أعَاد.

قَالَ أَبُو الْفضل: سَأَلَ يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدورقي أبي عَن من قَالَ لَفظه بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق، كَيفَ يَقُول فِي هَؤُلَاءِ؟

قَالَ: لَا يكلم هَؤُلَاءِ، وَلَا يكلم فِي هَذَا الْقرَآن كَلَام الله غير مَخْلُوق على كل جِهَة، وعَلى كل وَجه، وعَلى أَي حَال.

قَالَ صَالح: تناهى إِلَيّ أَن أَبَا طَالب يَحْكِي عَن أبي أنه يَقُول: لَفْظِي بالقرآن غير مَخْلُوق، فَأخْبرت أبي بذلك، فَقَالَ: من أخْبرك؟ فَقلت: فلَان.

قَالَ: ابْعَثْ إِلَى أبي طَالب، فوجهت إِلَيْهِ، فجَاء، وَجَاء فوران، فَقَالَ لَهُ أبي: أَنا قلت لَفْظِي بالقرآن غير مَخْلُوق؟ وَغَضب وَجعل يرعد، فَقَالَ لَهُ: قَرَأت عَلَيْك {قل هُوَ الله أحد} فَقلت لي: هَذَا لَيْسَ بمخلوق.

قَالَ: قلت يحْكى عَن أبي قلت لَك لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غير مَخْلُوق؟!

وَبَلغنِي أنك وضعت ذَلِك فِي كتابك، وكتبت بِهِ إِلَى الْقَوْم، فإن كَانَ فِي كتابك فامحه أشد المحو، واكتب إِلَى الْقَوْم الَّذين كتبت إِلَيْهِم: إِنِّي لم أقل لَك هَذَا، وَغَضب وَأقْبَلْ عَلَيْهِ.

فَقَالَ: يحْكى عني مَا لم أقل لَك، فَجعل فوران يعْتَذر إِلَيْهِ، وَانْصَرف من عِنْده وَهُوَ مرعوب، فَعَاد أَبُو طَالب فَذكر أنه قد حك ذَلِك من كِتَابه، وأنه كتب إِلَى الْقَوْم يُخْبِرهُمْ أنه وهم على أبي عبد الله فِي الْحِكَايَة.

باب من قال القرآن مخلوق وأسماء الله تعالى مخلوقة وما يجب عليه في ذلك من العقوبة

بَاب من قَالَ الْقرَآن مَخْلُوق وأسماء الله تَعَالَى مخلوقة وَمَا يجب عَلَيْهِ فِي ذَلِك من الْعقُوبَة
أخبرنَا المخلدي، قَالَ حَدثنَا الأسفرايني، قَالَ حَدثنَا أَبُو الْفضل، قَالَ حَدثنِي أبي، قَالَ: سَمِعت عبد الرَّحْمَن بن مهْدي، وَذكر عِنْده بشر المريسي فَقَالَ: من زعم أَن الله تبَارك وَتَعَالَى لم يكلم مُوسَى فَهُوَ كَافِر، يُسْتَتَاب فإن تَابَ وَإِلَّا ضربت عُنُقه.

حَدثنَا أَبُو الْفضل، قَالَ حَدثنِي أبي، قَالَ حَدثنَا شُرَيْح بن النُّعْمَان، قَالَ أخبرني عبد الله بن نَافِع، قَالَ: كَانَ مَالك، يَقُول: كلم الله مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيَقُول الْقُرْآن كَلَام الله، ويستفظع قَول من يَقُول الْقُرْآن مَخْلُوق.

وَقَالَ: ويوجع ضربا وَيحبس حَتَّى يَتُوب.

حَدثنَا أَبُو الْفضل، قَالَ حَدثنِي أبي، قَالَ: سَمِعت إِسْمَاعِيل بن عَلَيْة يَقُول: من قَالَ الْقرَان مَخْلُوق مُبْتَدع.

وَقَالَ أبي: من زعم أَن الْقُرْآن مَخْلُوق فقد كفر، وَمن زعم أَن أَسمَاء الله مخلوقة كفر، لَا يصلى خلف من قَالَ: الْقُرْآن مَخْلُوق، فإن صلى رجل عَاد.

سَمِعت صَالح يَقُول، قَالَ أبي: بَلغنِي أَن إِسْمَاعِيل بن علية، دخل على مُحَمَّد بن هَارُون وَهُوَ على سَرِير علية، فَلَمَّا نظر إِلَيْهِ جعل يزحف على سَرِيره، وَيَقُول لَهُ: يَا ابْنَ الفاعلة، أَنْت الْمُتَكَلّم فِي الْقُرْآن.

قَالَ: فَجعل إِسْمَاعِيل يَقُول لَهُ: جعلني الله فدَاك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، زلَّة من عَالم.

قَالَ: أمْلى علينا أَبُو الْعَبَّاس عبد الله بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن الْجراح الأزدي الْعَرَبِيّ، قَالَ: جَاءَنِي إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن خلف الْعَسْقَلَانِي برقعة رق بِخَط مُحَمَّد بن خلف: زعم أنه رأى فِي الْمَنَام كَأَن ولد آدم كلهم فِي الله غَيْرِي، وَإذَا رب الْعَالمين جلّ وَعز قد برز لِلْخلقِ فِي الْهَوَاء، ومُوسَى بن عمرَان عَن يَمِينه، وَأَنا أقْربْ الْخلق إِلَيْهِ بعد مُوسَى، فَقلت لَهُ: هُوَ ربكُم، فَقَالُوا: إِن كَانَ رَبنَا عقل لَهُ _ يَجْعَل الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب فِي الأَرْض كهيئتها فِي السَّمَاء، فسرنا وَأَنا أقدم الْقَوْم أنه رَبنَا، فَإِذا بِأَحْمَد يتَوَضَّأ على شط نهر، وَهُوَ وَاقِف على ظهر جادة عَظِيمَة، وَإِذا هُوَ ملتحف بطليسان لَهُ قومس، فَقَالَ لِلْخلقِ: أَيْن تُرِيدُونَ؟
قَالُوا: نُرِيد رب الْعَالمين يَجْعَل الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم كهيئتها فِي الأَرْض.

فَقَالَ أحْمَد: هُوَ ربكُم وَلَيْسَ هُوَ بفاعل مَا تُرِيدُونَ، فَرجع الْخلق.
يَقُول أحْمَد: يَعْنِي ابْن حَنْبَل: موقنين إنه رَبهم.

قَالَ أَبُو الْعَبَّاس العوني: كتب أحْمَد بن حَنْبَل إِلَى ابْن مسْهر أَن يكْتب إِلَيْهِ بِهَذَا الحَدِيث: يَعْنِي حَدِيث أم حَبِيبَة: من مس فرجه فَليَتَوَضَّأ. فَقلت لأبي مسْهر يعني لَا تبجح بِهِ عِنْده.

فَقَالَ لي: كتب إِلَيّ، اكْتُبْ بِخَطِّهِ، وَأَنا السَّاعَة فِي شغل.

حَدثنَا عَبَّاس بن الْوَلِيد بن مرْثَد قَالَ: حَدثنَا الْحَرْث بن عَيَّاش، قَالَ: قلت لأبي مسْهر: هَل تعلم أَن أحدا أبقى بحفظه الْأمة على أَمر دينهَا؟ قَالَ: لَا أعلمه إِلَّا شَاب فِي نَاحيَة الْمشرق.

ذكر محنة أبي إسحاق المعتصم لأبي رحمه الله

ذكر محنة أبي إِسْحَاق المعتصم لأبي رَحمه الله
سَمِعت أَبَا الْفضل يَقُول: قَالَ أبي رَحمه الله: لما كَانَ فِي شهر رَمَضَان لَيْلَة تسع عشرَة خلت مِنْهُ، حولت من السجْن إِلَى دَار إِسْحَاق ابن إِبْرَاهِيم، وَأَنا مُقَيّد بِقَيْد وَاحِد، يُوَجه إِلَيّ كل يَوْم رجلَيْنِ سماهما أبي.

قَالَ أَبُو الْفضل: وهما، أحْمَد بن رَبَاح، وَأَبُو شُعَيْب الْحجام يكلماني ويناظراني، فَإِذا أَرَادَا الِانْصِرَاف، دعِي بِقَيْد فقيدت فَمَكثت على هَذِه الْحَال ثَلَاثَة أَيَّام، وَصَارَ فِي رجْلي أَرْبَعَة أقياد.

فَقَالَ لي أَحدهمَا فِي بعض الْأَيَّام فِي كَلَام دَار، وَسَأَلته عَن علم الله؟ فَقَالَ: علم الله مَخْلُوق، قلت: يَا كَافِر، كفرت، فَقَالَ لي: الرَّسُول الَّذِي كَانَ يحضر مَعَهم من قبل إِسْحَاق، هَذَا رَسُول أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ، فَقلت: إِن هَذَا قد كفر، وَكَانَ صَاحبه الَّذِي يَجِيء مَعَه خَارج، فَلَمَّا دخل قلت: إِن هَذَا زعم أَن علم الله مَخْلُوق، فَنظر إِلَيْهِ كالمنكر عَلَيْهِ، قَالَ: ثمَّ انْصَرف، قَالَ أبي: وأسماء الله فِي الْقرَآن، وَالْقرَآن من علم الله، فَمن زعم أَن الْقرَآن مَخْلُوق فَهُوَ كَافِر، وَمن زعم أَن أَسمَاء الله مخلوقة فقد كفر.

قَالَ أبي: فَلَمَّا كَانَ اللَيْلَة الرَّابِعَة بعد عشَاء الآخرة وَجه _ يَعْنِي المعتصم ببغا إِلَى إِسْحَاق، يَأْمُرهُ بحملي، فأدخلت على إِسْحَاق، فَقَالَ لي: يَا أحْمَد، إِنَّهَا وَالله نَفسك، إنه قد حلف أَن لَا يقتلك بِالسَّيْفِ، وإن يَضْرِبك ضربا بعد ضرب، وإن يلقيك فِي مَوضِع لَا ترى فِيهِ الشَّمْس، أَلَيْسَ قَالَ الله تَعَالَى {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا} أفيكون مجعولا إِلَّا مخلوقا؟

قَالَ أبي، فَقلت: فقد قَالَ الله تَعَالَى {فجعلهم كعصف مَأْكُول} أفخلقهم؟ قَالَ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ.

قَالَ أبي: فأنزلت إِلَى شاطئ دجلة، فأحدرت إِلَى الْموضع الْمَعْرُوف بِبَاب الْبُسْتَان، وَمَعِي بغا الْكَبِير وَرَسُول من قبل إِسْحَاق.

فَقَالَ بغا لمُحَمد الحارس بِالْفَارِسِيَّةِ مَا تُرِيدُونَ من هَذَا؟ قَالَ: يُرِيدُونَ مِنْهُ أَن يَقُول الْقرَآن مَخْلُوق.

فَقَالَ: مَا أعرف شَيْئا من هَذَا إِلَّا قَول: لَا إِلَه إِلَّا الله وأن مُحَمَّدًا رَسُول الله، وقرابة أَمِير الْمُؤمنِينَ من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ أبي: فَلَمَّا صرنا إِلَى الشط، أخرجت من الزورق، وحملت على دَابَّة، والأقياد عَليّ، وَمَا معي أحد يمسكني، فَجعلت أكاد أخر على وَجْهي حَتَّى انْتهى بِي إِلَى الدَّار فأدخلت ثمَّ خرج بِي إِلَى حجرَة، فصيرت فِي بَيت مِنْهَا، وأغلق عَليّ الْبَاب، وأقعد عَلَيْهِ رجل، وَذَلِكَ فِي جَوف اللَّيْل، وَلَيْسَ فِي الْبَيْت سراج، فَاحْتَجت إِلَى الوضوء، فمددت يَدي أطلب شَيْئا، فَإِذا بِإِنَاء فِيهِ مَاء وطست، فتهيأت للصَّلَاة، وَقمت أصلي، فَلَمَّا أَصبَحت جَاءَنِي الرَّسُول فأخذ بيَدي فأدخلني الدَّار، وَإِذا هُوَ جَالس، وَابْن أبي دؤاد حَاضر، وَقد جمع أَصْحَابه وَالدَّار غاصة بِأَهْلِهَا، فَلَمَّا دَنَوْت مِنْهُ سلمت، فَقَالَ: أدنه، أدنه، فَلم يزل يدنيني حَتَّى قربت مِنْهُ، ثمَّ قَالَ لي: اجْلِسْ، فَجَلَست، وَقد أثقلتني الأقياد، فَلَمَّا مكثت هنيهة، قلت: تَأذن فِي الْكَلَام؟

قَالَ: تكلم، قلت: إِلَى مَا دَعَا إِلَيْهِ رَسُوله؟

قَالَ: إِلَى شَهَادَة أَن لَا إله إِلَّا الله، قال: فقلت: فأنا أشهد أن لا إله إلا الله.

قَالَ، ثمَّ قلت: إِن جدك ابْن عَبَّاس حكى أَن وَفد عبد الْقَيْس لما قدمُوا على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَمرهم بِالْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَان؟ قَالُوا: الله وَرَسُوله أعْلَم.

قَالَ: شَهَادَة أَن لَا إله إِلَّا الله، وأن مُحَمَّدًا رَسُول الله، وإقام الصَّلَاة، وإيتاء الزَّكَاة، وَصَوْم رَمَضَان، وأن تعطوا الْخمس من الْمغنم.

حَدثنَا أَبُو الْفضل، قَالَ حَدثنِي أبي، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن شُعْبَة قَالَ: حَدثنِي أَبُو حَمْزَة، قَالَ: سَمِعت ابن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: إِن وَفد عبد الْقَيْس لما قدمُوا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمرهم بِالْإِيمَان، فَذكر مثل ذَلِك.

قَالَ أَبُو الْفضل، قَالَ أبي: فَقَالَ لي عِنْد ذَلِك لَوْلَا أَنِّي وَجَدْتُك فِي يَد من كَانَ قبلي مَا عرضت لَك، ثمَّ الْتفت إِلَى عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق، فَقَالَ لَهُ: يَا عبد الرَّحْمَن، ألم آمُرك أَن ترفع المحنة؟

قَالَ أبي: فَقلت فِي نَفسِي، الله أكبر، إِن فِي هَذَا لفرجا للْمُسلمين، قَالَ ثمَّ قَالَ: ناظروه، وكلموه، ثمَّ قَالَ: يَا عبد الرَّحْمَن كَلمه، فَقَالَ لي عبد الرَّحْمَن: مَا تَقول فِي الْقرَآن؟

قلت: مَا تَقول فِي علم الله؟، قَالَ: فَسكت.

قَالَ أبي: فَجعل يكلمني هَذَا وَهَذَا، فأرد على هَذَا ثمَّ أَقُول: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أعطوني شَيْئا من كتاب الله أَو سنة رَسُوله أَقُول بِهِ.

فَيَقُول لي ابن أبي دؤاد، وَأَنت لَا تَقول إِلَّا كَمَا فِي كتاب الله أَو سنة رَسُوله.

قَالَ، فَقلت لَهُ: تأولت تَأْوِيلا، فَأَنت أعْلَم، وَمَا تأولت مَا يحبس عَلَيْهِ، ويقيد عَلَيْهِ.

قَالَ، فَقَالَ ابْن أبي دؤاد: فَهُوَ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، ضال مضل مُبْتَدع يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَهَؤُلَاء قضاتك وَالْفُقَهَاء فسلهم.

قَالَ: فَيَقُول لَهُم، مَا تَقولُونَ؟

فَيَقُولُونَ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنُونَ، هُوَ ضال مضل مُبْتَدع.

قَالَ: فَلَا يزالون يكلموني.

وَقَالَ: وَجعل صوتي يَعْلُو على أَصْوَاتهم، فَقَالَ لي إِنْسَان مِنْهُم: قَالَ الله تَعَالَى {مَا يَأْتِيهم من ذكر من رَبهم مُحدث} فَيكون مُحدثا إِلَّا مخلوقا؟.

قلت لَهُ: قَالَ الله تعالىٰ {ص، وَالْقُرْآن ذِي الذّكر} فالذكر هُوَ الْقُرْآن، وتلك لَيْسَ فِيهَا ألف و لَام.

قَالَ: فَجعل ابن سَمَّاعَة لَا يفهم مَا أَقُول.

قَالَ: فَجعل يَقُول لَهُم مَا يَقُول؟ قَالَ: فَقَالُوا: إنه يَقُول كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَقَالَ لي إِنْسَان مِنْهُم: حَدِيث خباب: (يَا هنتاه، تقرب إِلَى الله بِمَا اسْتَطَعْت، فإنك لن تتقرب إِلَيْهِ بِشَيْء أحب إِلَيْهِ من كَلَامه.

قَالَ: فَقلت: نعم هَكَذَا هُوَ.

قَالَ: فَجعل ابن أبي دؤاد ينظر إِلَيْهِ، ويلحظه متغيظا عَلَيْهِ.

قَالَ أبي، وقَالَ بَعضهم: أَلَيْسَ قَالَ: {خَالق كل شَيْء}.

قَالَ، قلت: قد قَالَ: {تدمر كل شَيْء} فدمرت إِلا مَا أَرَادَ الله.

وَقَالَ: فَقَالَ لي بَعضهم فِيمَا يَقُول، وَذكر حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن (إِن الله تبَارك وَتَعَالَى كتب الذّكر)، فَقَالَ: (إِن الله خلق الذّكر).

قَالَ، فَقلت: هَذَا خطأ، حَدثنَا غير وَاحِد: (كتب الذّكر).

قَالَ أبي: فَكَانَ إِذا انْقَطع الرجل مِنْهُم اعْترض ابْن أبي دؤاد يتَكَلَّم، فَلَمَّا قَارب الزَّوَال، قَالَ لَهُم: قومُوا، ثمَّ حبس عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق فَخَلا بِي وَبِعَبْد الرَّحْمَن، فَجعل يَقُول لي: أما كنت تعرف صَالحا الرَّشِيدِيّ؟ كَانَ مؤدبي، وَكَانَ فِي هَذَا الْموضع جَالسا، وأشار إِلَى نَاحيَة من الدَّار.

قَالَ: فَتكلم وَذكر الْقرَآن، فخالفني، فَأمرت بِهِ فسحب ووطئ.
قَالَ أبي: ثمَّ جعل يَقُول لي مَا أعرفك ألم تكن تَأْتِينَا؟

فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أعرفه مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة، يرى طَاعَتك وَالْحج وَالْجهَاد مَعَك، وَهُوَ ملازم لمنزله.

قَالَ: فَجعل يَقُول: وَالله إنه لفقيه، وإنه لعالم، وَمِمَّا يسرني أَن يكون مثله معي، يرد عني أهل الْملَل، وَلَئِن أجابني إِلَى شَيْء لَهُ فِيهِ أدنى فرج لأطلقن عَنهُ بيَدي، وَلَا وطأن عقبَه، وَلَأركبن إِلَيْهِ بجندي.

قَالَ: ثمَّ الْتفت إِلَيّ فَيَقُول: وَيحك يَا أحْمَد مَا مَا تَقول؟

قَالَ: فأقول يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أعطوني شَيْئا من كتاب الله أَو سنة وَرَسُوله، فَلَمَّا طَال بِنَا الْمجْلس ضجر، فَقَامَ، فَرددت إِلَى الْموضع الَّذِي كنت فِيهِ، ثمَّ وَجه إِلَيّ برجلَيْن سماهما وهما، صَاحب الشَّافِعِي، وغسان من أَصْحَاب ابْن أبي دؤاد، يناظراني فيقيمان معي، حَتَّى إِذا حضر الْإِفْطَار وَجه إِلَيْنَا بمائدة عَلَيْهَا طَعَام، فَجعلَا يأكلان، وَجعلت أتعلل حَتَّى رفع الْمَائِدَة، وأقاما إِلَى غَد، وَفِي خلال ذَلِك يَجِيء ابْن أبي دؤاد فَيَقُول لي: يَا أحْمَد يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ: مَا تَقول؟
 فَأَقُول لَهُ: أعطوني شَيْئا من كتاب الله أَو سنة رَسُوله حَتَّى أَقُول بِهِ.

فَقَالَ لي ابن أبي دؤاد: وَالله لقد كتب اسْمك فِي السبعة فمحوته، وَلَقَد سَاءَنِي أَخذهم إياك، وإنه وَالله لَيْسَ هُوَ السَّيْف، إنه ضرب بعد ضرب، ثمَّ يَقُول لي: مَا تَقول؟ فأرد عَلَيْهِ نَحوا مما رددت عليه، ثمَّ يأتي رسوله، فَيَقُول أَيْن أحْمَد بن عمار؟ أخو الرجل الَّذِي أنزلت فِي حجرته، فَيذْهب ثمَّ يعود، فَيَقُول: يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ: مَا تَقول؟ فأرد عَلَيْهِ نَحوا مِمَّا رددت على ابْن أبي دؤاد، فَلَا يزَال رسله تَأتي، قَالَ أَحْمد بن عمار _ وَهُوَ يخْتَلف فِيمَا بيني وَبَينه، وَيَقُول: يَقُول لك أَمِير الْمُؤمنِينَ: اجبني حَتَّى أجيء فَأطلق عَنْك بيَدي.

قَالَ: فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّانِي أدخلت عَلَيْهِ.

فَقَالَ: ناظروه، كَلمُوهُ.

قَالَ: فَجعلُوا يَتَكَلَّمُونَ، هَذَا من هَا هُنَا، وَهَذَا من هَا هُنَا، فأرد على هَذَا وَهَذَا، فَإِذا جاؤوا بِشَيْء من الْكَلَام مِمَّا لَيْسَ فِي كتاب الله وَلَا سنة رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا فِيهِ خبر وَلَا أثر، قلت مَا أدري مَا هَذَا؟.

فَيَقُولُونَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِذا تَوَجَّهت عَلَيْهِ الْحجَّة علينا وثب، وَإِذا كلمناه بِشَيْء يَقُول: لَا أدري مَا هَذَا؟.

قَالَ: فَيَقُول: ناظروه.

قَالَ: ثمَّ يَقُول: يَا أحْمَد، إِنِّي عَلَيْك شفيق.

فَقَالَ رجل مِنْهُم: أَرَاك تذكر الحَدِيث وتنتحله.

قَالَ فَقلت لَهُ: مَا تَقول فِي قَول الله تَعَالَى {يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ}.

فَقَالَ: خص الله بهَا الْمُؤمنِينَ.

قَالَ: فَقلت لَهُ، مَا تَقول: إِن كَانَ قَاتلا أَو كَانَ قَاتلا عبدا يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا؟

قَالَ: فَسكت.

قَالَ أبي: وإنما احتججت عَلَيْهِ بِهَذَا، لأنهم كَانُوا يحتجون عَليّ بِظَاهِر الْقُرْآن، وَلِقَوْلِهِ: أَرَاك تنتحل الحَدِيث.

وَكَانَ إِذا انْقَطع الرجل مِنْهُم اعْترض ابْن أبي دَاوُد، فَيَقُول: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَالله لَئِن أجابك لَهو أحب إِلَيّ من مائَة ألف دِينَار، وَمِائَة ألف دِينَار، فَيُعِيد مَا شَاءَ الله من ذَلِك، ثمَّ أَمرهم بعد ذَلِك بِالْقيامِ، وخلى بِي وَبِعَبْد الرَّحْمَن، فيدور بَيْننَا كَلَام كثير، وَفِي خلال ذَلِك يَقُول لي: تَدْعُو أحمد بن أبي دؤاد، فَأَقُول: ذَلِك إِلَيْك، فيوجه إِلَيْهِ فَيَجِيء فيتكلم، فَلَمَّا طَال بِنَا الْمجْلس قَامَ، ورددت إِلَى الْموضع الَّذِي كنت فِيهِ، وَجَاءَنِي الرّجلَانِ اللَّذَان كَانَا عِنْدِي بالْأَمْس، فَجعلَا يتكلمان، فدار بَيْننَا كَلَام كثير، فَلَمَّا كَانَ وَقت الْإِفْطَار جِيءَ بِطَعَام على نَحْو مِمَّا أَتَى بِهِ فِي أول لَيْلَة فأفطرا، وتعللت، وَجعلت رسله تَأتي أحْمَد بن عمار فيمضي إِلَيْهِ، ويأتيني برسالته على نَحْو مِمَّا كَانَ أول لَيْلَة، وَجَاءَنِي ابْن أبي دؤاد، فَقَالَ: إنه قد حلف أَن يَضْرِبك ضربا بعد ضرب، وأن يحبسك فِي مَوضِع لَا ترى فِيهِ الشَّمْس.

فَقلت لَهُ: فَمَا أصْنَع؟.

حَتَّى إِذا كدت أَن أصبح، قلت لخليق أَن يحدث من أَمْرِي فِي هَذَا الْيَوْم شَيْء، وَقد كنت أخرجت تكتي من سراويلي، فشددت بهَا الأقياد أحملها بهَا إِذا تَوَجَّهت إِلَيْهِم، فَقلت لبَعض من كَانَ مَعَ الموكلين ارْتَدَّ لي خيطا، فَجَاءَنِي بخيط، فشددت بها الأقياد، وَأعَدت التكة فِي السَّرَاوِيل، ولبسته كَرَاهِيَة أَن يحدث شَيْئا من أَمْرِي فأتعرى، فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّالِث أدخلت عَلَيْهِ وَالْقَوْم حُضُور، فَجعلت أدخل من دَار إِلَى دَار، وَقوم مَعَهم السيوف، وَقوم مَعَهم السِّيَاط، وَغير ذَلِك من الزي وَالسِّلَاح، وَقد حشرت الدَّار الْجند، وَلم يكن فِي الْيَوْمَيْنِ الماضيين كثير أحد من هَؤُلَاءِ، حَتَّى إِذا صرت إِلَيْهِ، قَالَ: ناظروه، كَلمُوهُ، فعادوا بِمثل مناظرتهم، وَدَار بَيْننَا كَلَام كثير، حَتَّى إِذا كَانَ فِي الْوَقْت الَّذِي يَخْلُو فِيهِ فَجَاءَنِي، ثمَّ اجْتَمعُوا فشاورهم ثمَّ نحاهم، وَدَعَانِي فَخَلا بِي وَبِعَبْد الرَّحْمَن، فَقَالَ لي: وَيحك يَا أحْمَد، أَنا عَلَيْك وَالله شفيق، وإني لأشفق عَلَيْك مثل شفقتي على هَارُون ابْني، فأجبني، فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أعطوني شَيْئا من كتاب الله، أَو سنة رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَمَّا ضجر وَطَالَ الْمجْلس، قَالَ لي: عَلَيْك لعنة الله، لقد كنت طمعت فِيك، خذوه واسحبوه.

قَالَ: فَأخذت وسحبت، ثمَّ خلعت، ثمَّ قَالَ: العقابين والسياط، فجيء بالعقابين والسياط.

قَالَ أبي: وَقد كَانَ صَار إِلَى شَعْرَة أَو شعرتان من شعر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فصررتهما كم قَمِيصِي، فَنظر إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم إِلَى الصرة فِي كم قَمِيصِي، فَوجه إِلَيّ: مَا هَذَا مصر، ورني كمك.

فَقلت: شعر من شعر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وسعى بعض الْقَوْم إِلَى الْقَمِيص ليحرقه فِي وَقت مَا أَقمت بَين العقابين.

فَقَالَ لَهُم - يَعْنِي المعتصم -: لَا تحرقُوهُ، انزعوه عَنهُ.

قَالَ: إِنِّي ظَنَنْت إنه درئ عَن الْقَمِيص الحرق بِسَبَب الشّعْر الَّذِي كَانَ فِيهِ ثمَّ صيرت بَين العقابين، وشددت يَدي، وَجِيء بكرسي فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَابْن أبي دؤاد قَائم على رَأسه، وَالنَّاس أَجْمَعُونَ قيام من حضر، فَقَالَ لَهُ إِنْسَان مِمَّن شدني خُذ ناتئ الخشبتين بِيَدِك وَشد عَلَيْهِمَا، فَلم أفهم مَا قَالَ: فتخالعت يداي لما شدت، وَلم أمسك الخشبتين.

قَالَ أَبُو الْفضل: وَلم يزل أبي رَحْمَة الله عَلَيْهِ يتوجع مِنْهُمَا إِلَى أَن توفّي.

ثمَّ قَالَ للجلادين: تقدمُوا، فَنظر إِلَى السِّيَاط، فَقَالَ: ائْتُوا بغَيْرهَا ثمَّ قَالَ لَهُم: تقدمُوا.

فَقَالَ لأحدهم: ادنه، أوجع، قطع الله يدك.

فَتقدم فضربني سوطين ثمَّ تنحى. ثمَّ قَالَ لآخر: ادنه، أوجع، شدّ قطع الله يدك!
ثمَّ تقدم فضربني سوطين ثمَّ تنحى.

فَلم يزل يَدْعُو وَاحِدًا بعد وَاحِد، يضربني سوطين ويتنحى، ثمَّ قَامَ حَتَّى جَاءَنِي وهم محدقون بِي.

فَقَالَ: وَيحك يَا أحْمَد، تقتل نَفسك.

وَيحك، اجبني حَتَّى أطلق عَنْك بيَدي.

فَجعل بَعضهم يَقُول لي: وَيلك، أمامك على رَأسك قَائِم.

قَالَ لي عجيف فنخسني بقائم سَيْفه وَيَقُول: تُرِيدُ أَن تغلب هَؤُلَاءِ كلهم؟ وَجعل إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم يَقُول: وَيحك، الْخَلِيفَة على رَأسك قَائِم!.

قَالَ: ثمَّ يَقُول بَعضهم: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، دَمه فِي عنقِي، قَالَ: ثمَّ رَجَعَ فَجَلَسَ على الْكُرْسِيّ، ثمَّ قَالَ للجلاد: ادنه، شدّ، قطع الله يدك.

ثمَّ لم يزل يَدْعُو بجلاد بعد جلاد فيضربني بسوطين ويتنحى، وَهُوَ يَقُول: شدّ، قطع الله يدك.

ثمَّ قَامَ إِلَى الثَّانِيَة فَجعل يَقُول: يَا أحْمَد اجبني، فَجعل عبد الرَّحْمَن ابن إِسْحَاق يَقُول: من صنع بِنَفسِهِ من أَصْحَابك فِي هَذَا الْأَمر مَا صنعت؟ هَذَا يحيى بن معِين، وَهَذَا أَبُو خَيْثَمَة، وَابْن أبي إِسْرَائِيل، وَجعل يعدد علي من أجَاب.

قَالَ: وَجعل وَهُوَ يَقُول: وَيحك، اجبني.

قَالَ: فَجعلت أَقُول نَحْو مَا كنت أَقُول لَهُم.

قَالَ: فَرجع فَجَلَسَ، ثمَّ جعل يَقُول للجلاد: شدّ، قطع الله يدك!.

قَالَ أبي: فَذهب عَقْلِي، فَمَا عقلت إِلَّا وَأَنا فِي حجرَة مُطلق عني الأقياد، فَقَالَ لي إِنْسَان مِمَّن حضر: إنا أكببناك على وَجهك، وطرحنا على ظهرك بَارِية، ودسناك.

قَالَ أبي: فَقلت: مَا شَعرت بِذَاكَ.

قَالَ: فجاؤني بسويق، فَقَالُوا: اشرب، فَقلت: لَا أفطر، فجيء بِهِ إِلَى دَار إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.

قَالَ أبي: فَنُوديَ بِصَلَاة الظّهْر، فصلينا الظّهْر.

وَقَالَ ابْن سَمَّاعَة: صليت وَالدَّم يسيل من ضربك.

فَقلت: بِهِ صلى عمر، وجرحه يثغب دَمًا فَسكت.

ثمَّ خلي عنه فَصَارَ إِلَى الْمنزل، وَوجه إِلَيْهِ الرجل من السجْن مِمَّن يبصر الضَّرْب والجراحات يعالج مِنْهُ، فَنظر إِلَيْهِ فَقَالَ: قَالَ لنا: وَالله لقد رَأَيْت مِنْهُ ضرب السيوط، مَا رَأَيْت ضربا أشد من هَذَا، لقد جر عَلَيْهِ من خَلفه، وَمن قدامه، ثمَّ أدخل ميلًا فِي بعض تِلْكَ الْجِرَاحَات.

فَقَالَ: لم ينفل، فَجعل يَأْتِيهِ فيعالجه، وَقد كَانَ أصَاب وَجهه غير ضَرْبَة، ثمَّ مكث يعالجه مَا شَاءَ الله، ثمَّ قَالَ لَهُ: إِن هَذَا شَيْء أُرِيد أَن أقطعه، فجَاء بحديدة، فَجعل يعلق اللَّحْم بهَا، ويقطعه بسكين مَعَه، وَهُوَ صابر، يحمد الله لذَلِك، فبرأ مِنْهُ، وَلم يزل يتوجع من مَوَاضِع مِنْهُ، وَكَانَ أثر الضَّرْب بَينا فِي ظَهره إِلَى أَن توفّي رَحْمَة الله عليه.

سَمِعت أبي يَقُول: وَالله لقد أَعْطَيْت المجهود من نَفسِي، ولوددت أَن أنجو من هَذَا الْأَمر كفافا لَا عَليّ وَلَا لي.

قَالَ أَبُو الْفضل: أخبرني أحد الرجلَيْن اللَّذين كَانَا مَعَه، وَقد كَانَ هَذَا الرجل صَاحب حَدِيث قد سمع وَنظر ثمَّ جَاءَنِي بعد فَقَالَ: يَا ابْن أخي، رَحْمَة الله على أبي عبد الله، وَالله مَا رَأَيْت أحدا - يَعْنِي - يُشبههُ.

لقد جعلت أَقُول لَهُ فِي وَقت مَا يُوَجه إِلَيْنَا الطَّعَام: يَا أَبَا عبد الله، أَنْت صَائِم وَأَنت فِي مَوضِع تقية، وَلَقَد عَطش فَقَالَ لصَاحب الشَّرَاب ناولني، فَنَاوَلَهُ قدحا فِيهِ مَاء ثلج، فَأَخذه فَنظر إِلَيْهِ هنيهة ثمَّ رده عَلَيْهِ.

قَالَ: فَجعلت أعْجَبْ من صبره، على الْجُوع والعطش، وَمَا هُوَ فِيهِ من الهول.

قَالَ أَبُو الْفضل: قد كنت ألتمس وأحتال أَن أوصل إِلَيْهِ طَعَاما أَو رغيفا أَو رغيفين فِي هَذِه الْأَيَّام، فَلم أقدر على ذَلِك.

وأخبرني رجل حَضَره قَالَ: تفقدته فِي هَذِه الْأَيَّام الثَّلَاثَة، وهم يناظرونه، ويكلمونه فَمَا لحن، وَلَا ظَنَنْت أَن يكون أحد فِي مثل شجاعته وَشدَّة قلبه.

قَالَ أَبُو الْفضل: دخلت على أبي - رَحْمَة الله عَلَيْهِ - يَوْمًا، وَقلت لَهُ: بَلغنِي أَن رجلا جَاءَ إِلَى فضل الأنماطي، فَقَالَ: اجْعَلنِي فِي حل إِذْ لم أقِم بنصرتك، فَقَالَ فضل: لَا جعلت أحدا فِي حل، فَتَبَسَّمَ أبي وَسكت، فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام مَرَرْت بِهَذِهِ الْآيَة {فَمن عَفا وَأصْلح فَأَجره على الله} فَنَظَرت فِي تَفْسِيرهَا، فَإِذا هُوَ مَا حَدثنِي بِهِ هَاشم ابن الْقَاسِم، قَالَ: حَدثنَا الْمُبَارك قَالَ: حَدثنِي من سمع الْحسن يَقُول: إِذا جثت الْأُمَم بَين يَدي الله تبَارك وَتَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة نُودُوا: ليقمْ من أجره على الله، فَلَا يقوم إِلَّا من عَفا فِي الدُّنْيَا.

قَالَ أبي: فَجعلت الْمَيِّت فِي حل من ضربه إيَّايَ، ثمَّ جعل يَقُول: وَمَا على رجل إِلَّا يعذب الله بِسَبَبِهِ أحدا.

ما ذكر من ورود كتاب المأمون في المحنة من طرسوس

مَا ذكر من وُرُود كتاب الْمَأْمُون فِي المحنة من طرسوس وبأشخاص أبي رَحمَه الله وَمُحَمّد بن نوح رَضِي الله عَنْهُمَا
سَمِعت أَبَا الْفضل صَالح قَالَ: سَمِعت أبي يَقُول: لما أدخلنا على إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم للمحنة فقرئ عَلَيْهِ كتاب الَّذِي كَانَ إِلَى طرسوس، فَكَانَ فِيمَا قرئَ علينا: (لَيْسَ كمثله شَيْء)، (وَهُوَ خَالق كل شَيْء)، فَقَالَ أبي: فَقلت {وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير} فَقَالَ بعض من حضر: سَله مَا أَرَادَ بقوله {وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير}.

فَقَالَ أبي: فَقلت كَمَا قَالَ تبَارك وَتَعَالَى.

وَسمعت أَبَا الْفضل يَقُول: ثمَّ امتحن الْقَوْم، فَوجه بِمن امْتنع إِلَى الْحَبْس، فأجاب الْقَوْم جَمِيعًا غير أَرْبَعَة: أبي رَحمَه الله وَمُحَمّد بن نوح وَعبيد الله بن عمر القواريري وَالْحسن بن حَمَّاد سجادة، ثمَّ أجَاب عبيد الله بن عمر وَالْحسن بن حَمَّاد وَبَقِي أبي وَمُحَمّد بن نوح فِي الْحَبْس، فمكثا أَيَّامًا فِي الْحَبْس، ثمَّ ورد كتاب من طرسوس بحملهما فَحمل أبي وَمُحَمّد بن نوح رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا، مقيدين زميلين، أخرجا من بَغْدَاد فصرنا مَعَهُمَا إِلَى الأنبار.

فَسَأَلَ أَبُو بكر الْأَحول أبي، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عبد الله إِن عرضت على السَّيْف تجيب؟
فَقَالَ: لَا.
قَالَ أبي: فَانْطَلق بِنَا حَتَّى دَخَلنَا فِي الرحبة، فَلَمَّا دَخَلنَا مِنْهَا وَذَلِكَ فِي جَوف اللَّيْل، وَخَرجْنَا من الرحبة، عرض لنا رجل فَقَالَ:
أَيّكُم أحْمَد بن حَنْبَل؟ فَقيل لَهُ: هَذَا، فَسلم على أبي، ثمَّ قَالَ: يَا هَذَا، مَا عَلَيْك أَن تقتل هَاهُنَا، وَتدْخل الْجنَّة هَاهُنَا: ثمَّ سلم وَانْصَرف.

فَقلت من هَذَا؟

فَقيل: هَذَا رجل من ربيعَة الْعَرَب، يَقُول الشّعْر فِي الْبَادِيَة، يُقَال لَهُ: جَابر بن عَامر.

فَلَمَّا صرنا إِلَى أذَنه، ورحلنا مِنْهَا، وَذَلِكَ فِي جَوف اللَّيْل، فتح لنا بَابهَا، لَقينَا رجل وَنحن خارجون من الْبَاب وَهُوَ دَاخل فَقَالَ: الْبُشْرَى فقد مَاتَ الرجل.

قَالَ أبي: وَكنت أدعوا الله أَنِّي لَا أرَاهُ.

فَحَدثني أبي، قَالَ: حَدثنَا معمر بن سُلَيْمَان عَن مرار بن سلمَان عَن مَيْمُون بن مهْرَان، قَالَ: ثَلَاث لَا تبلون نَفسك بِهن: لَا تدخل على السُّلْطَان، وإن قلت: آمره بِطَاعَة الله، وَلَا تدخلن على امْرَأَة، وإن قلت: أعلمها كتاب الله، وَلَا تصغين سَمعك لذِي هَوَى، فإنك لَا تَدْرِي مَا يعلق قَلْبك مِنْهُ.

سَمِعت أَبَا الْفضل، يَقُول: فَصَارَ أبي وَمُحَمّد بن نوح إِلَى طرسوس، وَجَاء نعي الْمَأْمُون من البذندون فَردا فِي أقيادهما إِلَى الرقة، وأخرجنا من الرقة فِي سفينة مَعَ قوم محبسين، فَلَمَّا صَارا بعانة، توفّي مُحَمَّد بن نوح، وَتقدم أبي فصلى عَلَيْهِ، ثمَّ صَار إِلَى بَغْدَاد وَهُوَ مُقَيّد، فَمَكثَ بالياسرية أَيَّامًا، ثمَّ صير إِلَى الْحَبْس فِي دَار اكتريت عِنْد دَار عمَارَة، ثمَّ نقل بعد ذَلِك إِلَى حبس الْعَامَّة فِي درب الموصلية، فَمَكثَ فِي السجْن، مُنْذُ أخذ وَحمل إِلَى بَغْدَاد ضرب وخلي عنه، ثَمَانِيَة وَعشْرين شهرا.

قَالَ أبي: فَكنت أصلي بهم، وَأَنا مُقَيّد.

فَقَالَ أبي: إِذا كَانَ الْقَيْد لَا تحجزه عَن تَمام الصَّلَاة فلا بأس، وَكنت أرى فوران يحمل لَهُ فِي دورق مَاء بَارِدا فَيذْهب بِهِ إِلَى السجْن.

ما ذكر في زهد أبي عبد الله رضي الله عنه

مَا ذكر فِي زهد أبي عبد الله رَضِي الله عَنهُ
قَالَ أَبُو الْفضل: دخلت يَوْمًا على أبي أَيَّام الواثق، وَالله يعلم على أَي حَالَة نَحن، وَقد خرج لصَلَاة الْعَصْر، وَكَانَ لَهُ لبد يجلس عَلَيْهِ، قد أَتَى عَلَيْهِ سِنِين كَثِيرَة حَتَّى بلَي، وَإِذا تَحْتَهُ كتاب كاغد، وَإِذا فِيهِ: بَلغنِي يَا أَبَا عبد الله مَا أَنْت فِيهِ من الضّيق، وَمَا عَلَيْك من الدّين، وَقد وجهت إِلَيْك بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم على يَدي فلَان لِتَقضي بهَا دينك، وَتوسع على عِيَالك، وَمَا هِيَ من صَدَقَة وَلَا زَكَاة، وإنما هُوَ شَيْء ورثته من أبي، فقرأت الْكتاب، وَوَضَعته، فَلَمَّا دخل قلت لَهُ، يَا أَبَت، هَذَا الْكتاب؟ فاحمر وَجهه، وَقَالَ: رفعته مِنْك، ثمَّ قَالَ: تذْهب بجوابه؟ فَكتب إِلَى الرجل: وصل كتابك إلي، وَنحن فِي عَافِيَة، فَأَما الدّين، فإنه لرجل لَا يرهقنا، وأما عيالنا، فهم فِي نعْمَة، وَالْحَمْد لله، فَذَهَبت بِالْكتاب إِلَى الرجل الَّذِي كَانَ أوصل كتاب الرجل.

فَقَالَ: وَيحك، لَو أَن أَبَا عبد الله قبل هَذَا الشَّيْء، وَرمى بِهِ مثلا فِي دجلة كَانَ مأجورا، لَأن هَذَا الرجل لَا يفوت لَهُ مَعْرُوف، فَلَمَّا كَانَ بعد حِين ورد كتاب الرجل بِمثل ذَلِك، فَرد عَلَيْهِ الْجَواب بِمثل مَا ورد، فَلَمَّا مَضَت سنة أقل أَو أكثر ذَكرنَاهَا، فَقَالَ: لَو كُنَّا قبلناها، كَانَت قد ذهبت.

قَالَ: وَشهِدت ابن الجَزَوي، أَخُو الْحسن، وَقد جَاءَهُ بعد الْمغرب، فَقَالَ: أَنا رجل مَشْهُور، وَقد أَتَيْتُك فِي هَذَا الْوَقْت، وَعِنْدِي شَيْء قد أعددته لَك، فَأحب أَن تقبله، وَهُوَ مِيرَاث، فَلم يزل بِهِ، فَلَمَّا أكثر عَلَيْهِ، قَامَ وَدخل.

قَالَ أَبُو الْفضل: فاخترت عَن الْحسن قَالَ، قَالَ لي أخي، لما رَأَيْته كلما ألححت عَلَيْهِ ازْدَادَ بعدا، قلت أخبروه كم هِيَ؟ قَالَ: قلت يَا أَبَا عبد الله، هِيَ ثَلَاثَة آلَاف دِينَار، فَقَامَ وَتَرَكَنِي.

قَالَ يَوْمًا: أَنا إِذا لم تكن عِنْدِي أخْرُج.

فَقَالَ لَهُ: أَبُو مُحَمَّد فوران: عِنْدِي خف أبْعَثْ بِهِ إِلَيْك؟ فَسكت فَلَمَّا عَاد إِلَيْهِ أَبُو مُحَمَّد قَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّد، لَا تبْعَث بالخف، فقد شغل قلبِي علي.

وَوجه رجل من الصين بكاغد صيني إِلَى جمَاعَة من الْمُحدثين مِنْهُم يحيى وَغَيره، وَوجه بقمطر إِلَى أبي، فَرد.

وَقَالَ أبي: كَانَ ابْن يحيى وَيحيى، وَمَا أخرجت خُرَاسَان بعد ابْن الْمُبَارك رجلا يشبه يحيى بن يحيى - فَجَاءَنِي ابْنه فَقَالَ: إِن أبي أوصى بمبطنة لَهُ لَك، وَقَالَ: يذكرني بهَا، فَقَالَ أبي، فَقلت: جِيءَ بهَا، فجَاء برزمة ثِيَاب، فَقلت لَهُ: اذْهَبْ رَحِمك الله، وَقلت لأبي: بَلغنِي أَن أحْمَد بن الدَّوْرَقِي أعْطى ألف دِينَار، فَقَالَ: أَي بني (ورزق رَبك خير وأبقى).

ذكر يَوْمًا عِنْده رجل فَقَالَ: يَا بني الفائز من فَازَ غَدا، وَلم يكن لَأحَدَّ عِنْده تبعة.

وَذكر لَهُ ابْن أبي شيبَة، وَعبد الْأَعْلَى النرسي، وَمن قدم بِهِ إِلَى الْعَسْكَر من الْمُحدثين، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَت أَيَّاما قَلَائِل، ثمَّ تَلَاحَقُوا، وَمَا بخلوا مِنْهُ بِكَثِير شَيْء.

وَجئْت يَوْمًا إِلَى الْمنزل فَقيل لي: قد وَجه أَبوك أمس فِي طَلَبك، فَقلت: وجهت فِي طلبي.

فَقَالَ: جَاءَنِي أمس رجل كنت أحب أَن ترَاهُ، بَيْنَمَا أَنا قَاعد فِي نحر الظهيرة، إِذا بِرَجُل يسلم بِالْبَابِ، فَكَأنَ قلبِي ارْتَاحَ لَهُ، فَقُمْت ففتحت الْبَاب، فَإِذا أَنا بِرَجُل عَلَيْهِ فَرْوَة وعَلى أم رَأسه خرقَة مَا تَحت فَرْوه قَمِيص، ولامعه ركوة وَلَا جراب، وَلَا عكاز، قد لوحته الشَّمْس، فَقلت: أدخل، فَدخل للدهليز.

فَقلت: من أَيْن أَقبلت؟

قَالَ: من نَاحيَة الْمشرق، أُرِيد بعض هَذِه السواحل، وَلَوْلَا مَكَانك مَا دخلت هَذَا الْبَلَد إِلَّا أَنِّي نَوَيْت السَّلَام عَلَيْك، قلت: على هَذِه الْحَال؟ قَالَ: نعم، ثمَّ قَالَ لي: مَا الزّهْد فِي الدُّنْيَا؟ قلت: قصر الأمل، قَالَ: فَجعلت أعْجَبْ مِنْهُ، فَقلت فِي نَفسِي: وَمَا عِنْدِي ذهب وَلَا فضَّة، فَدخلت الْبَيْت فَأخذت أَرْبَعَة أرغفة، فَخرجت إليه، فَقلت: مَا عِنْدِي ذهب وَلَا فضَّة، وإنما هَذَا من قوتي.

قَالَ: أَو يَسُرك يَا أَبَا عبد الله أَن أقبل ذَلِك؟ قَالَ: قلت: نعم.

قَالَ: فَأَخذهَا، فوضعها تَحت حضنه، وَقَالَ: أرجوا أَن يَكْفِينِي زادا إِلَى الرقة، أستودعك الله.

قَالَ: فَلم أزل قَائِما أنْظُر إِلَيْهِ إِلَى أَن خرج من الزقاق، وَكَانَ يذكرهُ كثيرا.

وَكنت أسمع أبي كثيرا يَقُول: اللَّهُمَّ سلم سلم.

حَدثنَا صَالح، قَالَ: فَحَدثني أبي، قَالَ: حَدثنَا يُونُس بن مُحَمَّد قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن زيد قَالَ: زعم يحيى بن سعيد أَن سعيد بن الْمسيب كَانَ يَقُول: اللَّهُمَّ سلم سلم.

كَانَ أبي إِذا دَعَا لَهُ رجل يَقُول: لَيْسَ يحرز الْمُؤمن إِلَّا حفرته، الْأَعْمَال بخواتيمها.

وَكَانَ رجل يخْتَلف مَعَ خلف المجزمي إِلَى عَفَّان يُقَال لَهُ: أحْمَد بن الحكم الْعَطَّار فختن بعض وَلَده، فَدَعَا أبي وَأَبُو خثيمَةَ وَجَمَاعَة من أَصْحَاب الحَدِيث، وَطلب إِلَى أبي أَن يحضر، فَمَضَوْا، وَمضى أبي بعدهمْ وَأَنا مَعَه، فَلَمَّا دخل أجْلِسْ فِي بَيت وَمَعَهُ جمَاعَة من أَصْحَاب الحَدِيث، فَمن كَانَ يخْتَلف مَعَه إِلَي عَفَّان، فَكَانَ فيهم رجل يكنى بِأبي بكر، يعرف بالأحول، فَقَالَ: يَا أَبَا عبد الله: هَا هُنَا آنِية من فضَّة، والتفت فَإِذا كرْسِي، فَقَامَ وَخرج وَتَبعهُ من كَانَ فِي الْبَيْت، وسأل من كَانَ فِي الدَّار عَن خُرُوجه فَأخْبر، واتبعته مَعَهم جمَاعَة، وَأخْبَر الرجل فَخرج إِلَى أبي، فَحلف أنه مَا علم بذلك، وَلَا أَمر بِهِ، فَجعل يطْلب إِلَيْهِ فَأبى.

وَجَاء عَفَّان فَقَالَ لَهُ الرجل: يَا أَبَا عُثْمَان، اطلب إِلَى أبي عبد الله أَن يرجع فَكَلمهُ عَفَّان، فَأبى أَن يرجع، فَنزل بِالرجلِ أَمر عَظِيم.

ما ذكر من أخلاق أبي عبد الله رضي الله عنه

مَا ذكر من أَخْلَاق أبي عبد الله رَضِي الله عَنهُ
سَمِعت صَالح، يَقُول: كَانَ أبي إِذا أَرَادَ الْوضُوء للصَّلَاة، لم يدع أحدا يَسْتَقِي لَهُ المَاء، كَانَ هُوَ يَسْتَقِي بِيَدِهِ.

وَكنت أسْمَعْهُ كثيرا يَتْلُو سُورَة الْكَهْف.

وَكنت رُبمَا اعتللت فَيَأْخُذ قدحا فِيهِ مَاء، فَيقْرَأ فِيهِ، ثمَّ يَقُول لي: اشرب مِنْهُ، واغسل وَجهك ويديك.

- وَكَانَ رُبمَا خرج إِلَى الْبَقَّال، يَشْتَرِي الحزمة من الْحَطب وَالشَّيْء فيحمله.

وَجَاء يَوْمًا ليتنور، وَعِنْدِي رجل ضَرِير يقْرَأ، فَأخْبرت أَنه قعد هنيهة يستمع.

وَكَانَ يبيت عِنْدِي كثيرا قوم فيهم من يقْرَأ ويغير، فيبلغه ذَلِك فَلَا يَقُول شَيْئا.

قَالَ: ورأيته يَوْم الْجُمُعَة وَالْإِمَام يخْطب، وَسَائِل يسْأَل، وَكَانَ إِلَى جنب أبي رجل، وَكَانَ السَّائِل مِمَّا يَلِي أبي فَأَوْمأ الرجل وَفِي يَده قِطْعَة إِلَى أبي ليأخذها ويعطيها السَّائِل، فَلم يَأْخُذهَا من الرجل.

وَكَانَ رُبمَا ركع فِي الْمَسْجِد يَوْم الْجُمُعَة، وَرُبمَا انْصَرف، فَيصَلي فِي بعض الْمَسَاجِد.

ومضيت مَعَه يَوْم جُمُعَة إِلَى مَسْجِد الْجَامِع فَوَافَقت النَّاس، وَانْصَرفُوا.

فَدخل أبي الْمَسْجِد، وَكَانَ مَعنا إِبْرَاهِيم بن هانئ النيسابوري، فَتقدم أبي فصلى بِنَا الظّهْر أَرْبعا.

قَالَ: قد فعله ابن مَسْعُود بعلقمة والأسود.

أخبرنَا المخلدي، قَالَ: أخبرنَا الأسفرايني، قَالَ: حَدثنَا صَالح، قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهدى عَن سُفْيَان عَن الْحسن بن عبيد الله، قَالَ: فاتتني الْجُمُعَة وَأَنا وذر، فصلينا فِي جمَاعَة، قَالَ: فَذكرت ذَاك لإِبْرَاهِيم، فَقَالَ: قد فعله ابْن مَسْعُود بعلقمة وَالْأسود يَوْم الْجُمُعَة.

قَالَ المخلدي، قَالَ أَبُو بكر الأسفرايني: سَأَلت إِبْرَاهِيم بن هانئ عَن هَذَا فَقلت: فاتتكم الْجُمُعَة مَعَ أحْمَد فصلى بكم أَرْبعا، قَالَ: نعم.

وأخبرنا الأسفرايني، قَالَ: حَدثنَا صَالح، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق، قَالَ: أخْبرْنَا سُفْيَان، عَن الْحسن بن عبيد الله، قَالَ: صليت أَنا وذر فأمني، وفاتتنا الْجُمُعَة فَسَأَلت: إِبْرَاهِيم فَقَالَ: قد فعل ذَلِك عبد الله بعلقمة وَالْأسود.

قَالَ سُفْيَان: وإنما فعلته أَنا وَالْأَعْمَش.

قَالَ أبي: وَقد فعله إياس بن مُعَاوِيَة، وَهُوَ قَاضِي الْبَصْرَة.

أخْبرْنَا المخلدي، قَالَ: أخْبرْنَا الأسفرايني، قَالَ: حَدثنَا صَالح، قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: حَدثنَا زيد بن الْحباب، قَالَ: أخبرني حميد بن عُبَيْدَة، قَالَ: جِئْت إِلَى الْمَسْجِد يَوْم الْجُمُعَة فَوجدت النَّاس قد صلوا، وَجَاء إياس، وَهُوَ يَوْمئِذٍ قَاضِي الْبَصْرَة، قَالَ: فصلى بِنَا فِي الْمَسْجِد فِي الزاوية، فَتقدم فصلى بِنَا فِي جمَاعَة.

وَقَالَ أبي: وَصلى سُوَيْد بن غَفلَة وَقد فَاتَتْهُ الْجُمُعَة فصلى الظّهْر فِي جمَاعَة.

وَقَالَ صَالح: فَحَدَّثَنِيهِ أبي، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي، عَن أبي عوانة عَن بعض أَصْحَابه: أَن سُوَيْد بن غَفلَة فَاتَتْهُ الْجُمُعَة فَصنعَ مثل ذَلِك.

سَمِعت صَالح، يَقُول: وَحَضَرت مَعَ أبي عِنْد إِبْرَاهِيم بن اللَّيْث صَاحب الأشجعي، وَحضر عَليّ بن الْمَدِينِيّ، وعباس الْعَنْبَري وَجَمَاعَة وَكثير من أهل الحَدِيث، فَنُوديَ بِصَلَاة الظّهْر، فَسَمِعُوا النداء فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عبد الله تخرج من الْمَسْجِد أَو نصلي هَا هُنَا.

فَقَالَ: نَحن جمَاعَة، نصلي هَا هُنَا، فصلوا.

وَرَأَيْت أبي، وَقد توفّي عَم لَهُ يُقَال لَهُ: عبد الله بن حَنْبَل، فَلَمَّا حنط، وكفن، قبل جَبهته قبل أَن يغطي وَجهه، وَكَانَ إِذا شهد جَنَازَة يقدم أمامها أَو يكون قَرِيبا مِنْهَا، وَقَالَ: يتقدمها أحب إلي.

حَدثنَا صَالح، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق، قَالَ: حَدثنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ، أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَبا بكر، وَعمر كَانُوا يَمْشُونَ بَين يَدي الْجِنَازَة.

قَالَ الزُّهْرِيّ: وأخبرني سَالم أَن أَبَاهُ كَانَ يمشي بَين يَديهَا.

حَدثنَا صَالح، قَالَ: حَدثنَا حجاج، قَالَ: حَدثنَا لَيْث، قَالَ: حَدثنِي عقيل بن خَالِد، عَن ابن شهَاب: أَن سَالم بن عبد الله أخبره، أَن عبد الله بن عمر كَانَ يمشي بَين يَدي الْجِنَازَة، وَأَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يمشى بَين يَدي الْجِنَازَة، وَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان رضوَان الله عَلَيْهِم.

حَدثنَا صَالح، قَالَ: وحَدثني أبي، قَالَ: حَدثنَا حجاج، قَالَ: قَرَأت على ابن جريح قَالَ: أخبرني أَن ابن شهَاب حَدثهُ، قَالَ: حَدثنِي سَالم عَن عبد الله بن عمر أنه كَانَ يمشي بَين يَدي الْجِنَازَة وَقد كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان يَمْشُونَ أمامها.

وَقَالَ أبي: يرى أنه مُرْسل.

حَدثنَا صَالح، قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن ابْن الْمُنْكَدر سمع ربيعَة بن عبد الله بن هدير، قَالَ: رَأَيْت عمر يقدم النَّاس أَمَام جَنَازَة زَيْنَب بنت جحش.

قَالَ: وَكَانَ أبي إِذا صلى على جَنَازَة لم يجلس حَتَّى تُوضَع السرير.

وَقَالَ: لَا يجلس حَتَّى تُوضَع من أَعْنَاق الرِّجَال.

وَكَانَ يكبر على الْجِنَازَة أَرْبعا، وَيرْفَع يَدَيْهِ مَعَ كل تَكْبِيرَة وَيقْرَأ فَاتِحَة الْكتاب فِي أول تَكْبِيرَة، ثمَّ يسلم تَسْلِيمَة وَاحِدَة.

وَكَانَ إِذا دخل الْمقْبرَة خلع نَعْلَيْه، وأمسكها بِيَدِهِ.

وَرُبمَا قَالَ لجارية لي: مَوْلَاك فِي الْبَيْت.

وَكَانَ إِذا ولد لي مَوْلُود سَمَّاهُ.

وَكَانَ إِذا ولد لي ابْنة يَقُول: الْأَنْبِيَاء كَانُوا آباء بَنَات.

وَيَقُول: قد جَاءَ فِي الْبَنَات مَا قد علمت.

قَالَ: وَولد لي مَوْلُود فأهدى لي صديق شَيْئا، ثمَّ أَتَى على ذَلِك أشهر، وَأَرَادَ الْخُرُوج إِلَى الْبَصْرَة، فَقَالَ لي: تكلم أَبَا عبد الله يكْتب لي إِلَى الْمَشَايِخ بِالْبَصْرَةِ، فَقَالَ: لَوْلَا أنه أهْدى إِلَيْك، كتبت لَهُ، لست أكْتُبْ لَهُ.

وأهدى إِلَيْهِ رجل ولد لَهُ مَوْلُود خوان فالوذج، فأهدى إِلَيْهِ سكرا بِدَرَاهِم صَالِحَة.

وأكل يَوْمًا فِي منزلي، فأخذ لقْمَة فناولها الْخَادِم.

وَكَانَ رُبمَا أخبز لَهُ، فَيصير لَهُ فِي فخارة عدس وشحم.

وَرُبمَا قَالَ: صيروا فِيهِ، ثمَّ أني شَهْرَيْن، فَكَانَ إِذا أَرَادَ أَن يَأْكُل يَجِيء إِلَى الصّبيان بقصعة من ذَاك العدس، فيصوت ببعضهم فيدفعه إِلَيْهِ فيضحكون وَلَا يَأْكُلُونَهُ.

وَكَانَ كثيرا مَا يأتدم بالخل، وَرُبمَا رأيته يَأْكُل الْكسر، فينفض الْغُبَار عَنْهَا، ثمَّ يصيرها فِي قَصْعَة وَيصب عَلَيْهَا المَاء حَتَّى تلين، ثمَّ يَأْكُلهُ بالملح، وَمَا رَأَيْته قطّ اشْترى رمانا وَلَا سفرجلا وَلَا شَيْئا من الْفَاكِهَة، إِلَّا أَن يَشْتَرِي بطيخة فيأكلها بالخبز أَو عنبا أَو تَمرا، فَأَما غير ذَلِك فَمَا رَأَيْته وَمَا اشْتَرَاهُ.

وَكُنَّا رُبمَا اشترينا الشَّيْء فنستره عَنهُ حَتَّى لَا يرَاهُ، فيوبخنا على ذَلِك.

وَقَالَ لي: إِن كَانَت والدتك فِي الغلاء تغزل غزلا رَقِيقا، فتبيع الأستار بِدِرْهَمَيْنِ أقل أَو أكثر، فَكَانَ ذَلِك قوتنا.

وَكَانَ قَدِيما قبل أَن نَأْخُذ من السُّلْطَان يَأْكُل عندنَا، وَرُبمَا وجهنا بالشَّيْء فيأكل مِنْهُ.

وَدخل يَوْمًا إِلَى منزلي، وَقد غَيرنَا سقفا لنا، فدعاني ثمَّ أمْلى عَليّ حَدِيث الْأَحْنَف بن قيس، قَالَ: حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن سلمة عَن يُونُس، عَن الْحسن قَالَ: قدم الْأَحْنَف بن قيس من سفر، وَقد غير أَسْقُف بَيته حمر وشقا شقّ وخضروها، فَقَالُوا لَهُ: أما ترى إِلَى سقف بَيْتك؟ فَقَالَ: معذرة إِلَيْكُم، إِنِّي لم أره، لَا أدخله حَتَّى تغيروه.

واعتللت من عَيْني لَيْلَة فَلم يزل عِنْدِي، فَقلت: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك الصَّبْر، فَقَالَ: سل الله الْعَافِيَة، فإن الصَّبْر إِنَّمَا يكون مَعَ الْبلَاء.

وَكَانَ كتب إِلَى إِسْحَاق بن رَاهْوَيْه.

فَكتب إِلَى إِسْحَاق: إِن الْأَمِير عبد الله بن طَاهِر وَجه إِلَيّ.

وَدخلت عَلَيْهِ وَفِي يَدي كتاب أبي عبد الله فَقَالَ: مَا هَذَا الْكتاب؟ فَقلت كتاب أحْمَد بن حَنْبَل، فَقَالَ: هاته، فَأَخذه فقرأه.

وَقَالَ: إِنِّي لَأحبهُ، وأحب حَمْزَة بن الهيصم اليوشنجي، لأنهما لَا يختلطا بِأَمْر السُّلْطَان، ثمَّ قَالَ: لست أمنك على هَذَا الْكتاب وأخذه، فَوَضعه تَحت مصلات، فقرأت كتاب إِسْحَاق على أبي فأمسك عَن الْكتاب إِلَيْهِ.

وَكَانَ يتنور فِي الْبَيْت، إِلَّا أنه قَالَ لي يَوْمًا، وَكَانَ يَوْمًا شتويا: أُرِيد أدخل الْحمام بعد الْمغرب، فَقل لصَاحب الْحمام، فَقلت لصَاحب الْحمام فَلَمَّا كَانَ الْمغرب، فَقَالَ: ابْعَثْ إِلَيْهِ، إِني قد ضربت عَن الدُّخُول، وتنور فِي الْبَيْت.

وأردت أَن أشْترِي جَارِيَة نَصْرَانِيَّة، فَقَالَ: لَا تشتر نَصْرَانِيَّة.

وأشتريت جَارِيَة فشكت إِلَيْهِ أَهلِي، فَقَالَ: كنت أكره لَهُم الدُّنْيَا.

وَكَانَ رُبمَا بَلغنِي عنكما الشَّيْء، فَقَالَت لَهُ: يَا عَم، وَمن يكره الدُّنْيَا غَيْرك؟ فَقَالَ لَهَا: فشأنك إِذن.

📚 کتێبەکان