التبصرة في أصول الدين على مذهب الإمام أحمد بن حنبل لأبي الفرج الشيرازي

وأن لا ننزل أحداً من أهل القبلة جنةً ولا ناراً، إلا من نزله الله ورسوله

فَصْلٌ

وأن لا ننزل أحداً من أهل القبلة جنةً ولا ناراً، إلا من نزله الله ورسوله؛ لقوله ﷺ: «السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه»، بل نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء، فأما أهل البدعة فهم مُخلَّدون في النار، ويصلى على من مات من أهل القبلة وإن عملوا الكبائر، ولا يُصلي الإمام على من غلَّ من الغنيمة، ولا على من قتل نفسه، ويجوز لغير الإمام أن يصلي عليهما.

وأن نسمع ونطيع لمن ولاه الله أمرنا، وإن كان عبداً حبشياً، ما أقام فينا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وأن لا نخرج على الأئمة بالسيف وإن جاروا، فإن أمرك السلطان بأمر يخالف السنة لم تسمع له ولم تطع؛ لقول النبي ﷺ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «أطيعوني ما أطعت الله، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم».

والجمعة والعيدان والجهاد ماضٍ مع كل خليفة براً كان أو فاجراً، ما كان من البدعة بريئاً.

ولا يخلد في النار إلا أهل الكفر والتكذيب والجحود لأوامره ونواهيه.

وأنه يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار

فَصْلٌ

وأنه يُؤتَى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح، فيُذبح بين الجنة والنار، وينادي المنادي: يا أهل الجنة خلود فلا موت، وينادي المنادي: يا أهل النار خلود فلا موت، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩].

قال: وذلك لأن أهل النار يطمعون أن يموتوا، فيُؤتَى بالموت فيُذبح بين الجنة والنار، فينادي المنادي: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، فلا ترى بعد هذه الكلمة إلا الزفير والشهيق، وذلك بعدد خروج أهل الكبائر من أمة محمد ﷺ، ثم يوضع الطبق على رأس جهنم، فلا يفتح أبد الآبدين.

وأن الجنة حق، والنار حق، وهما مخلوقتان للبقاء لا للفناء

فَصْلٌ

وأن الجنة حق، والنار حق، وهما مخلوقتان للبقاء لا للفناء، خلق الجنة ثواباً لأوليائه، وخلق النار عقاباً لأهل المعصية إلا من رحم. وقالت المعتزلة: إنهما لم يخلقا بعد.

دليلنا: قوله تعالى: ﴿يَٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥، والأعراف: ١٩] أي في الجنة.

دليلٌ ثاني: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لما خلق الله الجنة قال لها: تزيني، فتزينت، ثم قال لجبريل عليه السلام: اطلع في الجنة، فاطلع فيها، فقال له الحق تعالى وهو أعلم: ما رأيت يا جبريل؟ فقال جبريل عليه السلام: وعزتك وجلالك، لقد رأيت داراً لا يسمع بها أحد يتخلف عنها، ثم قال للنار: تسعري، فتسعرت وأظهرت أقيادها وأغلالها وسلاسلها وسرابيلها وإلى غير ذلك، ثم قال لجبريل: اطلع فيها، فاطلع فيها جبريل عليه السلام، فقال له الباري وهو أعلم: ما رأيت يا جبريل؟ قال: وعزتك وجلالك لقد رأيت داراً لا يسمع بها أحداً فيقرب منها، فقال: فحفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات، وقال لجبريل: اطلع عليهما، يعني في الدارين، فاطلع فيها ﷺ، فقال الله عز وجل وهو أعلم: يا جبريل، ما الذي رأيت؟ فقال: إلهي وسيدي، لقد خشيت أن لا يدخل الجنة أحد ولا ينجو من النار أحد»، وفي ذلك من الأخبار ما يطول شرحه، وهذا موضع الاختصار.

وأن الشفاعة حق، وهي لأهل الكبائر من أمته

فَصْلٌ

وأن الشفاعة حق، وهي لأهل الكبائر من أمته، خلافاً للمعتزلة في قولهم: إن أهل الكبائر تخلد في النار بكبيرة واحدة.

دليلنا: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «أدخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».

دليلٌ ثاني: قوله تعالى: ﴿عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].
جاء في التفسير أن المقام المحمود الشفاعة.

دليلٌ ثالث: ما روي عنه ﷺ أنه قال: «أول الناس شفاعة يوم القيامة الأنبياء، ثم العلماء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، حتى إن الرجل يشفع في سبعين من أهل بيته كلهم قد استحقوا النار».

دليلٌ رابع: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]. جاء في التفسير أن المراد به: لا يظلم من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان.
وذلك أن الكفار يُعيِّرون أهل الكبائر الذين دخلوا معهم في النار، فيقولون لهم: ما نفعكم إيمانكم شيئاً؟ ها أنتم معنا في النار، ويغضب الجبار جل جلاله فيقول: يا مالكُ أخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، فحينئذٍ يقول الكفار: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢].
ولا يخلدون في النار كما قالت المعتزلة بما ذكرنا من الدليل.

وأن الحوض المكرم به نبينا محمد ﷺ حق، ويكون ذلك في عرصة القيامة

فَصْلٌ

وأن الحوض المكرم به نبينا محمد ﷺ حق، ويكون ذلك في عرصة القيامة، أصله في الجنة وفرعه في الموقف، ترده أمته ﷺ، وروي عنه ﷺ أنه قال: «الحوض ما بين عدن وعمان، حافتاه خيام الدر المجوف، آنيته عدد نجوم السماء، طينته المسك الأذخر، ماؤه أبيض من اللبن وأحلى من العسل وأبرد من الثلج، فيذاد عنه يوم القيامة رجال كما تذاد الغريبة من الإبل فأقول: ألا هلم ألا هلم، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: وما أحدثوا بعدي؟ فيقال لي: إنهم غيروا، فأقول: ألا سحقاً وبعداً، ألا سحقاً». وفي ذلك من الأخبار ما يطول شرحه وذكره، فإن قيل: هذا من نعيم الجنة فكيف يجوز أن يكون خارجاً عنها، قلنا: إنه يجوز لحاجة الناس ولتصديق وعده، وليس في ذلك ما يمنعه عقل ولا شرع.

وأن الصراط حق، وهو طريق بين الجنة والنار، موضوع على متن جهنم

فَصْلٌ

وأن الصراط حق، وهو طريق بين الجنة والنار، موضوع على متن جهنم، وصفته كما ورد في الشرع له دقة كدقة الشعر، وحد كحد السيف، طوله ستة وثلاثون سنة من سنين الدنيا، وروي أنه ثلاث آلاف سنة من سنين الآخرة، يجوزه الأبرار، ويزول عنه الفجار، عليه سبع قناطر، فعند القنطرة الأولى يُسأل العبد عن الصلاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الثانية، وإن لم يأتِ بها تردى في النار، وعند الثانية يُسأل عن الزكاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالثة، وإن لم يأتِ بها تردى في النار، وعند الثالثة يُسأل عن صوم رمضان فإن جاء به تاماً جاز إلى الرابعة، فإن لم يأتِ به تردى في النار، وعند الرابعة يُسأل عن الحج فإن جاء به تاماً بعد وجوبه عليه جاز إلى الخامسة، وإن لم يأتِ به تردى في النار، وعند الخامسة يُسأل عن بر الوالدين فإن جاء تاماً جاز إلى السادسة، وإن لم يأتِ به تاماً تردى في النار، وعند السادسة يُسأل عن صلة الأرحام فإن جاء بها تامة جاز إلى السابعة، وإن لم يأتِ بها تردى في النار، وعند السابعة يُسأل العبد عن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ فإن جاء بها تامة جاز إلى الجنة، وإن لم يأتِ بها تردى في النار.

وروي عنه ﷺ أنه قال لما وصف الصراط في هذه الصفة المتقدمة ثم قال: «ومن الناس من يمر عليه كالريح العاصف، ومنهم من يمر عليه كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر عليه كأجاويد الخيل، ومنهم من يمر كأجاويد الركاب، ومنهم من يعدو عدواً، ومنهم من يهرول، ومنهم من يمشي مشياً؛ حتى إن آخر من يمر على أسته تقع مرة رجلاه، وتتعلق يداه، وتقع مرة يداه وتتعلق رجلاه»، وذكر الخبر بطوله، وفي ذلك من الأخبار ما يطول شرحه وذكره.

أن الحساب حق، وأن الميزان حق، وأن للميزان كفتان يوزن فيهما أعمال العباد

فَصْلٌ

في أن الحساب حق، وأن الميزان حق، وأن للميزان كفتان يوزن فيهما أعمال العباد، كفة من نور يوضع فيها حسنات العباد، وكفة من ظلمة يوضع فيها سيئات العباد، فمن ثقلت موازينه نجا من النار، ومن خفت موازينه فهو في النار، لقوله تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢-١٠٣].

وقالت المعتزلة: ليس ثَمَّ موازين لها كفتان، وإنما المراد به عدل الباري.

دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال في الآية السابقة: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾، فمن الآية دليلان:

أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فالمراد بالقسط العدل، فلو كان المراد بالميزان العدل؛ لكان تقدير الآية ونضع العدل العدل ليوم القيامة، وفي ذلك حمل القرآن على التكرار، وعلى ما لا فائدة فيه، ومثل ذلك ممتنع بالاتفاق لوجود اللفظ بلا معنى.

الدليل الثاني من الآية: أنه قال: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾، والعدل لا يوصف بالثقل والخفة، وغير ذلك من الآيات.

دليلٌ ثاني: ما روي عن النبي ﷺ أنه وصف الميزان، وبين أن عموده من نور، وأحد الكفتين من نور، والآخر من ظلمة، وأن جبريل عليه السلام صاحب الميزان، وتواترت بذلك الأخبار، فوجب الاقتداء به والمصير إليه.

فإن احتج المخالف بأن قال: الميزان في اللغة عبارة عن العدل، الدليل عليه قولهم: فلان بين الناس ميزان، وفلان لا يتكلم إلا وزناً، وقول الشاعر يدل على ذلك وهو قوله:

وزنت الناس كلهم فكانوا لدى الميزان كلهم عجافا

والجواب: هو أنَّا لا نمنع أن يسمى العدل ميزاناً، وإنما نمنع أن يقال: لا ميزان في الآخرة.

وجوابٌ ثاني: وهو أن من جملة العدل وضع الميزان بين الخلق؛ لأن عليه شهد الخاص والعام، والدليل عليه موازين الدنيا لأنه من جملة أثر العدل.

وأما ما استشهد به فلا يدل عليه، ولا على أن المراد بالميزان العدل؛ لأن قولهم: فلان بين الناس ميزان، يريدون بذلك أنه لا يضع الكلمة إلا موضع الإصابة، وكل ذلك تشبيهاً بالميزان وباستقامة عموده وكفته إذا وقف على التساوي.

وأما قول الشاعر: "وزنت القوم كلهم"، فمعناه: أي اختبرت عقولهم فوجدتهم لدى الاختبار ضعفاء العقول، وليس في ذلك ما يدل على أن المراد بالميزان العدل.

وأن ضغطة القبر حق، وأن عذاب القبر ونعيمه حق

فَصْلٌ

وأن ضغطة القبر حق، وأن عذاب القبر ونعيمه حق، وأن العبد إذا عذب في قبره يألم بذلك.

وأنكرت المعتزلة ذلك، يعني: عذاب القبر ونعيمه. وقالت الأشعرية: يعذب ولا يألم.

دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ [طه: ١٢٤] قال في تفسيره: إن معيشة الضنك هو عذاب القبر.

دليلٌ ثاني: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «أكثر عذاب القبر من البول والنميمة».

دليلٌ ثالث: ما روى البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ أنه مر ببقيع الغرقد فوقف على قبر، فقال: «الآن يقعد هذا، الآن يسئل هذا، والذي بعثني بالحق نبياً لقد ضرب بأرزبة من نار لقد تطاير قبره ناراً، وصرخ صرخة سمعها كل شيء إلا الثقلين: الجن والإنس»، ثم وقف على قبر آخر فقال كذلك، فقيل: يا رسول الله، فما ذنبهما؟ فقال ﷺ: «أما أحدهما فكان لا يتنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة بين الناس».

دليلٌ رابع: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لو سلم أحدكم من ضغطة القبر أو ضمة القبر لسلم سعد بن معاذ»، وفي ذلك من الأخبار ما يطول شرحه.

والدلالة على الأشعرية ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تكسروا عظام الميت فإنهم يألمون كما تألمون، -ثم قال-: إن كسر عظم الميت ككسره حياً».

دليلٌ ثاني: ما روي عن النبي ﷺ أنه نهى أن يمشي الرجل في المقابر بنعلين، فقال: «إن الموتى يسمعون خفق نعالكم فينزعجون».

دليلٌ ثالث: أنه قد أجمعنا على أن عذاب القبر ونعيمه حق، فإذا قال: لا يجد ألم العذاب، ولا لذة النعيم؛ لم يكن لقوله فائدة بأنه يعذب في قبره وينعم؛ إذ لا فائدة لذلك إلا إدراك الألم وإدراك اللذة.

في أن الموت حق، والبعث من بعد الموت حق، ومسائلة منكر ونكير حق

فَصْلٌ

في أن الموت حق، والبعث من بعد الموت حق، ومسائلة منكر ونكير حق.
وأنكرت المعطلة البعث من بعد الموت، وأنكرت المعتزلة مسائلة منكر ونكير.

دليلنا على المعطلة: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الروم: ٤٠]، أثبت الحياة بعد الموت، وذلك هو المطلوب.

دليلٌ ثاني: قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨-٧٩].

فوجه الدليل من الآية ثلاثة أوجه:

أحدها: قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أي: بدء خلقه، وكان الحق تعالى نسب القائل لذلك إلى العمى والجهل؛ لأنه أيقن بالخلق وكذب بالبعث. ودليل العقل يقتضي أن بدء الخلق هو من جملة القدرة التي أنشأها أول مرة من غير وجود، وذلك يقتضي أن من بدأ الخلق من غير شيء قادر على أن يعيده كما كان.

الدليل الثاني من الآية: قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فجعل النشأة في أول مرة دلالة على الرجعة؛ لأن من خلق الأشياء من غير أصل قادر على أن يعيدها من أصل.

الدليل الثالث من الآية: قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس: ٨٠] مع رطوبته، ومع يبوستها يكون أولى أن يخرج منه ناراً قطعاً لا محالة، وإذا كان كذلك فيكون بطريق الأولى أن من يخلق الإنسان من العدم بغير وجود شيء أصلاً، قادر على أن يخلقهم مع وجود الأساس وهو العظام الرميم، ثم يعضد ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]، يريد بذلك أنه إذا قدر على إنشاء السموات والأرضين بعد ذهابها فهو قادر على أن ينشئ الآدمي بعد موته وفنائه.

دليلٌ ثاني: قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩-٣٠]. وقال ﷺ: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً»، فقالت عائشة: بادي العورة يا رسول الله؟ فقال ﷺ: «لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه».

دليلٌ ثالث: هو أن التكذيب بالبعث يفضي إلى إسقاط التكليف؛ لأن العبد إنما كُلِّف في الدنيا ليستحق به ثواباً في العقبى إذا فعل ما كلفه.

فإذا قيل: إن العبد لا يحشر ولا ينشر فيفضي ذلك إلى تبطيل الثواب، يعني: تعطيل الثواب والعقاب.

ولا يجوز لقائل أن يقول: إن الثواب في الدنيا؛ لأن الله تعالى حقَّر ثواب الدنيا وعظَّم ثواب الآخرة فقال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥، الحديد: ٢٠] والمتاع هو الشيء المهين التافه الذي لا ينتفع به، ذكر ذلك الأصمعي. وبين الباري أن النعمة مستدرجة في لذات الدنيا ونعيمها، فقال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢، القلم: ٤٤]. جاء في تفسيره: كلما جددوا معصية جدد لهم نعمة.

وقال في الجنة: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، وقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠]، وقال ﷺ: «يقول الله تبارك وتعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».

فبيَّن أن نعيم الجنة هو النعيم، وأن عذاب النار هو العذاب الأليم لأنه قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]، وقال: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]، وقال: ﴿لَـــٰبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: ٢٣]، ولا عقاب في الدنيا مما يناسب ذلك.

والدلالة على المعتزلة في إثبات منكر ونكير: قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، جاء في تفسير هذا في الحياة الدنيا، يعني: عند خروج الروح، وفي الآخرة: عند مساءلة منكر ونكير.

دليلٌ ثاني: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا وضع الرجل في قبره أتاه منكر ونكير، وهما ملكان فظان غليظان أسودان أزرقان، ألوانهما كالليل الدامس، أصواتهما كالرعد العاصف، عيونهما كالشهب الثاقب، أسنانهما كالألواح، يسحبان شعورهما على الأرض، بيد كل واحد منهما مطرقة، لو اجتمع الثقلان الجن والإنس لم يقدروا على حملها، يسألان الرجل عن ربه، وعن دينه، وعن نبيه» وذكر الخبر بطوله،

فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يأتياني وأنا ثابت كما أنا؟ قال: «نعم»، قال: إذاً أكفيكهم فسيكفيكهما الله. فقال ﷺ: «والذي بعثني بالحق نبياً، لقد أخبرني جبريل عليه السلام على أنهما يأتيانك فيسألنك فتقول: الله ربي، فمن ربكما؟ ومحمد نبيي فمن نبيكما؟ فيقولان: واعجباً، ما ندري نحن أرسلنا إليك أم أنت أُرسلت إلينا!».

فإن احتج المخالف بأن قال: كل من يرصد القبور لا يراهما؛ ولأن مساحة القبر ضيقة فكيف يسعهما مع عظم خلقهما؟

والجواب: أما قوله: من يرصد القبور لا يخبر برؤيتهما؛ فنقول: إنه لا يمتنع أن يراهما الميت ولا يراهما غيره، ألا ترى أن المحتضر عند خروج الروح يرى ملك الموت باتفاق منَّا، ولا يراه من يحضر بحضرته، وكذلك النبي ﷺ كان يرى جبريل ولا يراه من بحضرته.

وأما قوله: كيف يسعهما القبر مع ضيق مساحته وعظم خلقتهما؟

قلنا: يجوز أن يوسع الله تعالى مقامهما كما وسع مقام جبريل إذا نزل على النبي ﷺ.

وكذلك نهي أيضاً عن النظر في كتب السحر والكهانة والتنجيم والعزائم على الجن

فَصْلٌ

وكذلك نهي أيضاً عن النظر في كتب السحر والكهانة والتنجيم والعزائم على الجن؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من صدق كاهناً أو منجماً فكأنما قد كفر بكل كتاب أنزل على محمد ﷺ»، وقال ﷺ: «المنجم كالساحر، والساحر كالكاهن، والكاهن كالكافر، والكافر في النار»، وقال ﷺ: «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من الشرك، ومن زاد زاد».

وأن العشرة في الجنة

فَصْلٌ

وأن العشرة في الجنة، وهم: أبوبكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبدالرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، رضوان الله عليهم أجمعين.

وأن معاوية خالنا، وخال جميع المؤمنين، رديف رسول الله ﷺ، وكاتب وحي الله وأمين وحيه، شهد له النبي بالجنة، ومات وهو عنه راضٍ.

والكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ، ونشر محاسنهم، وترك الخوض فيما جرى بينهم؛ فإن الله تعالى قد غفر لهم، وعَلِم أنهم سيقتتلون، قال النبي ﷺ: «ستجري بين أصحابي زلة يغفرها الله لهم بما سبق لهم»، وقال ﷺ: «ستجري بين أصحابي هنيهة يتلافاها الله تعالى بما سبق».

وقالت المعتزلة والرافضة: إن معاوية قد فسق بقتاله لعليّ كرم الله وجهه، وعندنا أن الكل على الصواب على ما نبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى.

دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، فسماهم في حال قتالهم بعضهم لبعض مؤمنين، وسماه يعني معاوية في حال قتاله لعليّ مؤمناً.

دليلٌ ثان: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ولدي هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المؤمنين»، وأصلح به بين معاوية وعلي ﷺ.

دليلٌ ثالث: ما روي أن النبي ﷺ قال: «ليلينّ بعض منابر الشام رجل عزيز منيع في قومه، وهو مني وأنا منه، فقال رجل: من هو يا رسول الله؟ فقال بقضيبه الممشوق، يعني أشار به في ظهر معاوية».

دليلٌ رابع: ما روي أن عبدالله بن الكواء سأل عليّاً رضي الله عنه لما عاد من قتال صفين عن أمر الخلافة فقال: يا أمير المؤمنين، إن كانت الخلافة شيئاً عهده إليك رسول الله ﷺ فأنت المصدق في قولك، وإن كانت رأياً رأيته فرأيك الصواب، فقال له: ثكلتك أمك، أما والله لو كانت الخلافة شيئاً عهده إلي رسول الله ﷺ لما تركت أخا بني تيم ولا أخا بني عدي يصعدان المنبر، ولو لم أجد إلا حسامي هذا في كفي، ولكن نبيكم نبي الرحمة لم يمت فجأة، ولم يقتل قتلاً، لكنه مضت أيام وليال، يأتيه بلال عند كل صلاة فيناديه: الصلاة الصلاة، فيقول: «مروا أبابكر فليصل في مكاني بالناس»، وهو يرى مكاني، وأنا حاضر ولست بغائب، وأنا صحيح ولست سقيماً، ولو أراد أن يقدمني لقدمني، فكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بيدي هذه الحدود بين يديه، ثم توفاه الله إليه حميداً شهيداً، ثم ولي بعده الصديق أبوبكر رضي الله عنه فسار فينا سيرة رسول الله ﷺ، فكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بيدي هذه الحدود بين يديه، ثم توفاه الله إليه حميداً شهيداً، ثم ولي بعده الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فسار فينا سيرة رسول الله ﷺ وسيرة صاحبه، فكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بيدي هذه الحدود بين يديه، ثم توفاه الله إليه حميداً شهيداً، ثم ولي بعده ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، فسار فينا سيرة رسول الله ﷺ وسيرة صاحبيه، فكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بيدي هذه الحدود بين يديه، ثم توفاه الله حميداً شهيداً، ثم جرى بيني وبين معاوية هذه الهنيهة غفرها الله لي وله.

وأيضاً روي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال لأصحابه: «يا أيها الناس، لا تكرهوا إمارة معاوية رضي الله عنه، فوالله لئن فقدتموها لقد رأيتم الرؤوس تنتثر عن كواهلها كالحنظل».

دليلٌ خامس: هو أن كل واحد منهم قاتل باجتهاد سائغ؛ لأن علياً رضي الله عنه قاتل لطلب الخلافة، ولم يمنعه معاوية بل اعترف له بها، ومعاوية طلب ثأر ابن عمه عثمان ذي النورين رضي الله عنه، وقاتلي عثمان كانوا في معسكر عليّ، ولم يمكن لعليّ كرم الله وجهه أن يدفعهم إليه لكثرتهم وغلبتهم على عسكره، فلما قويت يده دفعهم وقتلهم، وإذا ثبت أن كل واحد منهم قاتل باجتهاد سائغ فلا يجوز الحكم بفسق واحد منهم.

ومن السُّنة ترك النظر في وقعة صفين ووقعة الجمل لئلا يؤدي ذلك إلى التحريش بين الصحابة والجفاء عليهم، وقد أمرنا الله بالاستغفار لهم بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠].

وأن خير الناس وخير هذه الأمة بعد نبيها وأبرهم وأحقهم بالخلافة أبوبكر الصديق رضي الله عنه

فَصْلٌ

وأن خير الناس وخير هذه الأمة بعد نبيها وأبرهم، وأتقاهم، وأعلمهم، وأسخاهم، وأشجعهم، وأحقهم بالخلافة أبوبكر الصديق رضي الله عنه، ثم بعده على النعت والترتيب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم بعده على النعت والترتيب عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم بعده على النعت والترتيب علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وقالت الرافضة: خير الناس بعد رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقالت العباسية: خير الناس بعد رسول الله ﷺ العباس رضي الله عنه، واختلفت الأشعرية في ذلك، فمنهم من قال مثل قولنا، ومنهم من قال: لا نفضل بعضهم على بعض، وبه قال بعض المعتزلة.

دليلنا على ذلك: قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠].
ومعلوم أن أبابكر الصديق رضي الله عنه أنفق من قبل الفتح وقاتل فدل على تفضيله على غيره.

دليلنا الثاني: قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الفتح: ١٦] الآية. أو هذه الآية نزلت بعد نزول قوله: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ [التوبة: ٨٣] الآية، فأخبر بهذه الآية على أنهم لا يقاتلون عدواً ولا يخرجون مع النبي أبداً لتخلفهم عن رسول الله ﷺ وانتظارهم انهزام رسول الله ﷺ ولحوق دائرة السوء على المؤمنين.

ثم أخبر في الآية الأخرى أنهم سيدعون إلى قوم أولي بأس شديد يقاتلونهم أو يسلمون وقد أجمع المفسرون على أن القوم الموصوفين بالبأس والشدة إما الروم وإما الفرس وأخبر الباري تعالى أنهم متى تولوا عن قتالهم عذبهم عذاباً أليماً.

فإذا ثبت هذا فقد دعا أبوبكر الصديق رضي الله عنه إلى قتالهم وإن كان المراد به الفرس فقد دعا أيضاً عمر إلى قتالهم وأي الأمرين ثبت من ذلك وجبت طاعة الداعي إلى قتالهم ولم يجب ذلك إلا لكونه إماماً مفترض الطاعة على كافة الناس وإن كان ذلك أبوبكر رضي الله عنه وجب الحكم بكونه إماماً حقاً أو كان عمر فكذلك؛ لأن من قال بوجوب فرض إمامة عمر قال بوجوب فرض إمامة أبي بكر رضي الله عنه؛ لأن أحمد رحمه الله ما فرق بينهما.

دليل ثالث: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، فمن الآية دليلان:

أحدهما: أنه أخبر أن الخلق تخلفوا عن نصرة رسول الله ﷺ إلا أبا بكر رضي الله عنه، فدل ذلك على تفضيله على غيره، ثم قال في سياق الآية: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾، فحزن أبوبكر رضي الله عنه ولم يكن حزنه على نفسه، وإنما كان حزناً على رسول الله ﷺ خشية أن يظفر به العدو. ونزول السكينة إنما كان على أبي بكر رضي الله عنه في ذلك الموضع؛ لأنها قبل ذلك نزلت على رسول الله ﷺ.

دليلٌ رابع: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «خير الناس بعدي أبوبكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي» رضي الله عنهم أجمعين.

وروى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: «كنا نفاضل على عهد رسول الله ﷺ فنقول: خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبوبكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي - رضي الله عنهم أجمعين - ويبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكر علينا».

دليلٌ خامس: ما روي أن عليًّا رضي الله عنه صعد على منبر الكوفة ثم قال: «ألا إنه بلغني أن قوماً يفضلوني على أبي بكر وعمر، ألا لا تفضلوني عليهما فمن فضلني عليهما جلدته حد المفتري».

وروي عن حسين بن علي رضي الله عنهما أنه قال: سألت عليًا رضي الله عنه عن أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ فقال: «أبوبكر، ثم عمر». وروي ذلك بطرق مختلفة.

دليلٌ سادس: هو أن الأمة أجمعت على أن من صفات الإمام أن يكون أفضل الناس، وقد ثبت بالتواتر المقطوع به أن النبي ﷺ قدم أبابكر رضي الله عنه في الصلاة على سائر الصحابة.
وقد قال: «لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤم قوماً وفيهم من هو كاره له، أو أحق بالصلاة منه»، وقوله ﷺ: «يؤم القوم أفضلهم» فثبت بهذه الآثار أن أبابكر الصديق رضي الله عنه أفضل الخلق بعد رسول الله ﷺ، وفي ذلك أدلة ما لا يسعه كتاب، فإذا ثبت ذلك في أبي بكر ثبت في حق عمر وعثمان رضي الله عنهما.

وروي عنه ﷺ أنه قال: «عشرة من قريش في الجنة، وهم: أبوبكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبدالرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح» رضي الله عنهم أجمعين.

وكان ﷺ على حراء فتحرك الجبل فركضه برجله وقال له: «اسكن يا حراء، فما عليك إلا نبي أو صدّيق أو شهيد»، وكان النبي ﷺ وأبوبكر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.

وقال ﷺ: «إن أهل الدرجات العلى يرون من فوقهم كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء، ألا وأبوبكر وعمر منهم وأنعما»، فبيَّن أن أبابكر وعمر أعلى منزلة من غيرهما.

وقال ﷺ: «من أحب أبابكر فقد أقام الدين، ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان فقد استعان بنور الله، ومن أحب علياً فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن قال: الحسن والخير في أصحاب رسول الله فقد بَرِئَ من النفاق».

واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥]، وهذه الآية نزلت في حق علي رضي الله عنه.

والجواب: هو أن النقاش نقل في تفسيره أنها نزلت في جماعة من الصحابة، وظاهر التنزيل يدل على صحة تأويله؛ لأنه قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، وهذا جمع فيتناول العدد الذي ذكر النقاش.

وجوابٌ آخر: وهو أنه لو ثبت أنها خاصة في علي رضي الله عنه لم يدل ذلك على تفضيله على غيره؛ لأن الولي في اللغة هو الناصر، وعلي كان ناصراً فيكون المراد به لهذا المعنى.

ويجوز أن يكون المراد به الإمامة بعد عثمان؛ لأن الإيمان بالله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة كل ذلك موجود في الأئمة بأجمعهم.

واحتج أيضاً بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه».

والجواب: هو أن معنى الحديث: من كنت ناصره فعلي ناصره؛ لأن الولي في اللغة هو الناصر والحامي، ومنه مولى المولى، ومعلوم أنه لا يجوز حمله على العتق؛ لأن النبي ﷺ لم يكن معتقاً لعلي، ولا علي معتقاً للنبي ﷺ، ولا يجوز أن يريد ابن عمه كان ذلك مستفاد بغير قوله، ولا يجوز أن يريد أنه صهره؛ لأنه ليس الكلام: كل من كان النبي صهره كان علي صهره، لم يبق إلا أن يكون المراد به النصرة.

قال الأخطل في مدح عبد الملك بن مروان:
فَأَصبَحتَ مَولاها مِنَ الناسِ كلهم وَأَحرى قُرَيشٍ أَن تُهابَ فَتحمَدا.
وقال الآخر: إذا ذل مولى المرء فهو ذليل.
معناه: إذا ذل ناصره.

واحتج أيضاً بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «علي مني بمنزلة هارون من موسى؛ إلا أنه لا نبي بعدي».

فالجواب: هو أن هذا الحديث لم يفد تفضيلاً، وإنما أفاد أنه ابن عمي وقرابتي وأميني على أهلي، والذي يبين صحة هذا التأويل ويوضحه أنه لما خرج النبي ﷺ إلى غزوة تبوك، استخلف علياً على أهله وابنته، فتكلم المنافقون عليه، فأتى علي إلى النبي فقال: يا رسول الله، كنت لا أرضى لنفسي أن أكون من المتخلفين، وقد تكلم المنافقون في حقي، فقال ﷺ: «علي مني بمنزلة هارون أمين موسى على قومه»، ونحن لا ننكر ذلك في حقه؛ إلا أنه لم يفد تفضيلاً له على غيره.

واحتج أيضاً بأن قال: إن عليّاً لم يشرك بالله طرفة عين، وتابع النبي ﷺ في حال صبوته.

والجواب: هو أنه لم يشرك بالله غلط من القول؛ لأنه كان تابعاً لأبويه، وأبواه كانا كافرين. ولهذا روي أن عليّاً رضي الله عنه يتمدح بإسلامه صبيّاً فقال:
سَبَقتُكُمُ إِلى الإِسلامِ طُرّاً غُلاماً ما بَلَغَتُ أَوانَ حلمي.

فإن قيل: فنقول: إنه كان كافراً وأسلم؛ إلا أنه كان أول الناس إسلاماً، الدليل عليه إنشاده البيت.

والجواب: هو أن هذا غير صحيح؛ لأن ابن عباس سألوه فقالوا له: أي الناس كان أول إسلاماً؟ فقال: أبوبكر الصديق رضي الله عنه، أما سمعت قول حسان بن ثابت في ذلك، فقال:

إِذا تَذَكَّرتَ شَجواً مِن أَخي ثِقَةٍ فَاِذكُر أَخاكَ أَبا بَكرٍ بِما فَعَلا
وَالثانِيَ الصادِقَ المَحمودَ مَشهَدُهُ وَأَوَّلَ الناسِ مِنهُم صَدَّقَ الرُسُلا.

وأما قول عليٍّ: سبقتكم إلى الإسلام طرّاً غلاماً، أي: سبقت الغلمان دون الشيوخ والكهول، ويحتمل أن يكون المراد به: أسلمت في صبوتي، ولم يتأخر إسلامي إلى كبرتي.

واحتج أيضاً بأن قال: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦]، وعليٌّ أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ من أبي بكر.

والجواب: هو أن التفضيل لو كان طريقه القرابة؛ لكان حمزة عم النبي ﷺ أولى من ابن العم، وقد استوفينا ذلك في كتابنا الكبير، والله أعلم.

ونصف الله تعالى بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه ورسوله ﷺ

فَصْلٌ

وَنَصِفُ الله تعالى بما وَصَفَ به نَفْسَه في كتابه وعلى لسان نبيه ورسوله ﷺ، كقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، وكقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، و ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٦]، و ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩، التوبة: ١٠٠، المجادلة: ٢٢، البينة: ٨].

وكقوله ﷺ: «يَنْزِلُ الله تعالى في كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه سؤله، هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه»، وقوله ﷺ: «عجب ربنا من شاب ليس له صبوة»، وقوله ﷺ: «ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب خيره»، فهذا وما كان في مثاله مما ثبت صحته في مسانيد صحاح عن النبي ﷺ، فمذهبنا فيه ومذهب السلف الصالح الإيمان به واجب، وإمراره كما جاءنا من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تغيير.

قال الإمام أحمد رحمه الله في أخبار الصفات: «أمِرُّها كما جاءت». وسأله رجل عن قوله ﷺ: «ينزل الله تعالى في كل ليلة إلى سماء الدنيا»، فقال: الحديث صحيح، فقال: ينزل قدرته أم ذاته؟ فقال: ويلك مالك ولهذا! أَمِرَّ الحديث كما جاء ولنا بالآثار من السلف أسوة حسنة. قال عبدالله بن المبارك: عليك بالأثر من السلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك بالقول؛ فإن الأمر ينجلي وأنت منه على صراط مستقيم.

وقد أخبرنا الباري تعالى أن في كتابه محكماً ومتشابهاً، وأن المتشابه هو الذي لا يعلم تأويله إلا الله، وأمرنا بالإيمان به، ومدح القائلين بالمتشابه: آمنا به، وذم من التمس تأويله، ونهى أن يُتبع تأويله وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ﴾ [آل عمران: ٧].

وأجمع المفسرون والقراء على أن الوقف تام على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ﴾ [آل عمران: ٧]، وأن قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] واوه واو استئناف؛ فإن معناه: والراسخون في العلم يقولون آمنا به.

والذي يدل على صحة هذا التأويل ما روى ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه من القرآن فهم الذين في قلوبهم زيغ».

فإذا قالوا: إن العلماء يعلمون تأويله فقد أضمروا الفعل والمفعول والعربي من شأنه أن لا يضمر الفعل والمفعول معاً فلا يقول: عبدالله يعني: عبدالله ضرب عمراً، فلا يضمرون الفعل والمفعول؛ لأنه يكون تقدير الكلام على قولهم: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يعلمون قائلين آمنا به وهذا خلاف جميع أهل اللغة.

فإن قيل: كيف يصح إيماننا بما لا يحيط علمنا بكيفيته وكيف يتعاطى معرفة ما لا يدرك في عقولنا.

والجواب: هو أنا نقابل هذا بمثله فنقول: كيف السبيل إلى طلب ما لا سبيل إلى كيفيته ولا نقدر على تمثيله بعقولنا ولا تصويره بأفهامنا لأنه تعالى قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ومن ليس كمثله شيء فلا سبيل إلى معرفة كيفيته وإدراك صفاته ولا إلى احاطة ماهيته وماهية ذاته.

وجواب آخر: وهو أنه لا يمتنع أن يلزمنا الإيمان بأشياء لا نعلم كيفيتها ولا يكون ذلك قادحاً في إيماننا.

الدليل عليه أنه يلزمنا الإيمان بالجنة والنار وبجميع ما فيهما من النعيم والعذاب وإذا كنا لا نحيط بكيفيتهما وبكيفية ما فيهما من التفضيل على التفصيل لأن النبي ﷺ قال: «يقول الله تعالى: أعددت لعبادي المؤمنين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر».

فما لم تره العين ولا سمعت صفته الأذن ولم تخطر ماهيته على قلب بشر غير معلوم الكيفية، ثم لزمنا الإيمان به وإن جهلنا بمعرفة كيفيته ولكن لا يقدح ذلك في إيماننا به، وكذلك أيضاً يلزمنا الإيمان بصفات الله وإمرارها كما جاءت وإن كنا لا نحيط علماً بكيفيتها.

وقد تأولت المبتدعة صفات الباري وحملتها على مقتضى عقولهم وعلى اشتقاق اللغة وخرجوا في ذلك إلى التشبيه والتعطيل ونحن نبين ذلك فيما بعد إن شاء الله.

فمن ذلك أنهم قالوا: الوجه عبارة عن جملة الذات ولا يوصف الباري بأن له وجهاً.

دليلنا على إثبات وصف الله تعالى بالوجه: قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ﴾ [البقرة: ١١٥].

فإن قيل: المراد به الذات وكني بالوجه.

قلنا: الجواب عنه أنه أضافه إلى ذاته والشيء لا يضاف إلى نفسه ولأن المضاف والمضاف إليه شيئان.

فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] وقال: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ﴾ [الليل: ٢٠].

والجواب: هو أن معنى الآية: إنما نطعمكم لله الذي هو موصوف بالوجه.

دليل ثاني: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «آخذ غداً بحلقة باب الجنة فيستقبلني وجه الجبار فأخر له ساجداً» وذكر الخبر بطوله.

وأيضًا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «النظر إلى وجه الله تعالى واجب لكل نبي وصديق وشهيد».

واحتج المخالف أيضًا بأن قال: وجه الشيء في اللغة عبارة عن جملة الشيء.

والجواب: هو أن هذا قول لم يقله أحد من أهل اللغة بل يقولون: وجه الثوب ووجه المتاع ووجه القوم وليس المراد منه جملة القوم والمتاع والثوب.

واحتج: بقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٦-٢٧].

والجواب: هو أنه ليس فيه دلالة على أن المراد بالوجه الذات وإنما المراد به الوجه؛ لأنه حذف المضاف إليه وأقام المضاف مقامه والدليل على أن المراد به ليس الذات هو أنه أضاف الوجه إلى ذاته والشيء لا يضاف إلى نفسه باتفاق جميع أهل اللغة.

واحتج أيضًا بأن جميع أهل العربية يقولون: فعلت ذلك لوجه الله وفعلت ذلك لوجه فلان يريدون بذلك ذاته ويقولون: هذا وجه الرأي ووجه الطريق يريدون بذلك نفسها.

والجواب: هو أنا قد بينا ما قاله أهل اللغة وأن الوجه ليس المراد منه جملة الذات. وأما قوله: فعلت ذلك لوجه الله، قلنا: ليس المراد به ذاته وإنما المراد به طلباً لرضاه ولرحمته. وأما قوله: فعلت ذلك لوجه فلان، قلنا: ليس المراد به ما يرومونه من الذات وإنما المراد به فعلت ذلك لكرامته. وقولهم: هذا وجه الرأي ووجه الطريق أي: قصد الطريق وليس المراد به ذاته كما ذكروه.

وتأوَّلوا اليد على القدرة والنعمة واستدلوا على ذلك بأنهم قالوا: لفلان عندي يد أي: نعمة ولفلان علي يد أي: قدرة.

والجواب: أنه لو كان هذا من معتزلي فلا يصح؛ لأن عنده ليس لله قدرة، وإن كان هذا من أشعري فالجواب عنه من وجوه كثيرة:

أحدها: أن عندنا وعندهم أن لله تعالى قدرة واحدة يقدر بها على المقدورات كلها فإذا حملوا اليد على القدرة أفضى ذلك إلى أن يكون له قدرتان وهذا لم يقل به أحد من أهل الملة.

وجواب ثان: هو أنه لو كان المراد به القدرة لم يفضل آدم على إبليس؛ لأن الله تعالى خلق إبليس بقدرته وبكلمته فلما فضل آدم ﷺ بقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ﴾ [ص: ٧٥] دل على أنه ليس المراد باليد القدرة ولا يجوز حملها على النعمة أيضاً؛ لأن لله تعالى أنعاماً كثيرة غير محصورة ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ﴾ [إبراهيم: ٣٤، النحل: ١٨] وقال هاهنا: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ﴾ [ص: ٧٥] فدل على أن المراد به ليس ما ذكروه.

فإن قيل: المراد به نعمتي وذلك أنه أسجد له الملائكة كما أسجدهم لنفسه وجعله أبا الأنبياء والرسل وهاتان نعمتان عظيمتان تفضل بها آدم على كل مخلوق قبله وبعده.

والجواب هو: أن الله تعالى قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ﴾ فأثبت له تلك الكرامة في بدء خلقه وما بينوه من إسجاد الملائكة له إنما كان بعد خلقه ونفخ الروح فيه.

ولأنه إسجاد لغيره له لا يوجب تفضيله على غيره من الأنبياء وإبراهيم ﷺ أبو أنبياء كثيرة ولا يدل ذلك على تفضيله على خاتم الأنبياء محمد ﷺ.

وعلى أن ما ذكروه مجاز وما ذكرنا حقيقة وحمل كلام الباري على الحقيقة أولى من حمله على المجاز.

وجواب ثاني: هو أن الأخبار المتواترة عن النبي ﷺ ترد ما تأولوه فروي في الحديث: «إن الله تعالى خلق آدم بيده وغرس شجرة طوبى بيده وكتب التوراة لموسى بيده وبنى جنة عدن بيده».

وتأولوا السمع والبصر على العلم والإدراك. وذلك تأويل فاسد؛ لأن عند المعتزلة ليس لله تعالى علم ولا إدراك، وأما عند الأشعرية أنه له علما؛ فلا يجوز حمل السمع والبصر على الإدراك؛ لأنه يفضي إلى إسقاط صفاته ونفي ما أثبته لنفسه لأنه تعالى أثبت لنفسه علماً وإدراكاً بقوله: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ۖ﴾ [النساء: ١٦٦] وأثبت لنفسه سمعاً وبصراً بقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] فإذا حملوا السمع والبصر على العلم والإدراك أفضى ذلك إلى إسقاط صفات الباري وذلك تعطيل وزندقة.

وتأولوا حديث النزول بنزول القدرة فقالوا: تنزل قدرته، وهذا تأويل فاسد من وجوه:

أحدها: أنه قال: «إن الله ينزل» ولا يسمي القدرة باسمه.

الثاني: أنه قال: «ألا هل من سائل فأعطيه سؤله ألا هل من مستغفر فأغفر له ألا هل من تائب فأتوب عليه» والقدرة لا تقول ذلك.

فإن قيل: معنى الحديث: أن الله تعالى ينزل الملائكة -بضم الياء-.

والجواب: هو أن هذا أيضاً دليل فاسد؛ لأن الملائكة لا يتوبون على العباد ولا يغفرون لهم ولا يعطونهم وإنما يفعل ذلك الباري تعالى.

وتأولوا النفس على الغيب ولا يجوز حمله على ذلك لأنه على خلاف الحقيقة وخلاف الظاهر وحمل كلام الله تعالى على حقيقته وظاهره أولى من حمله على غير حقيقته وظاهره ونحن وإن رددنا تأويله وبينا فساده فلسنا نكيف صفات الباري بل نثبتها إثبات وجود لا إثبات كيفية وتحديد كما أثبتنا ذاته لا كالذوات.

وأن الله تعالى واحد أحد، فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وليس بجسم ولا جارحة

فَصْلٌ

وأن الله تعالى واحد أحد، فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وليس بجسم ولا جارحة، ولا شبه بشيء من المخلوقات، بل هو شيء لا كالأشياء.

قال الإمام أحمد رحمه الله: إن الله تعالى أثبت أنه شيء بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩]، ونفى عن نفسه الشبه بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].

وقال الإمام أحمد رحمه الله: من شبه الله بخلقه فقد كفر بذلك.

وقالت النجارية ومن وافقهم: إن الله تعالى شبه المخلوقات.

وقال هشام بن عمرو بن الحكم الفوطي: إن الله تعالى جسم لا كالأجسام. ومنهم من قال: إنه شيء لا كالأشياء.

دليلنا: قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، معناه: ليس كمثل صفاته صفات ولا مثال ذاته ذات.

دليلٌ ثان: قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، معناه: لم يكن له مثل ولا شبه.

دليلٌ ثالث: قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، معناه: هل تعلم له مثلاً وشبيهاً.

دليلٌ رابع: ما روي أن نجدة الحروري سأل ابن عباس رضي الله عنهما فقال: بماذا تعرف ربك يا ابن عباس؟ فقال: «مَن أخذ دينه بالقياس ذهب ذهنه في التباس، مائل عن المنهاج طاعن في الاعوجاج، أعرفه بما عرفني بنفسه، وأصفه بما وصف به نفسه، لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس».

دليلٌ خامس: هو أن حقيقة المثلين والشبهين ما سد أحدهما مسد الآخر، وناب منابه وشابهه من جميع الوجوه، ولو جاز أن يكون مشبهاً لسد مسده، وناب منابه، وبالإجماع أنه خلاف ذلك، وهو باطل بالإجماع؛ لأن الإجماع منعقد على أن الباري لا شبه له.

دليلٌ سادس: أنه لو كان مشبهاً بالعالم، لم يخلُ إما أن يكون مشبهاً لجميعه أو لبعضه، لا يجوز أن يكون مشبهاً لجميع العالم؛ لأنه تعالى ذات واحدة، والذات الواحدة لا تجوز أن تكون مشبهة بالأشياء المختلفة المتضادة؛ لأنه لو كان كذلك لكان قائماً بنفسه من حيث إنه شبه الجواهر، ومؤلف من حيث إنه أشبه الأجسام، ومتحيزاً وحاملاً للأعراض؛ لأن هذه صفة الأجسام والجواهر، فبطل بذلك أن يكون مشبهاً لجميع العالم من الجواهر والأعراض وغيرها، ويستحيل أيضاً أن يشبه الأعراض جميعها؛ لأنها مختلفة متضادة، والشيء الواحد لا يشبه الشيء وضده؛ ولأن الأعراض لا تقوم بأنفسها، والباري تعالى قائم بنفسه، ولا يجوز أن يكون من جنس الجواهر؛ لأن ذلك يوجب كونه حاملاً للأعراض، وقد فنّدنا ذلك.

ولا يجوز أن يكون جسماً؛ لأنه لا يخلو إما أن يقولوا هو عبارة عن الطويل، والعريض، والعميق، أو يسمونه جسماً بغير وصفه بذلك، لا جائز أن يصفه بأنه طويل أو عريض أو عميق، أو أن يصفه بمجموع صفاته المذكورة؛ لأن هذه صفة المحدث المجتمعة، وقد أثبتنا بأن الباري تعالى واحد بقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، وقد ذكرنا بأن الاسمية لا تثبت بالقياس، وإنما تؤخذ توقيفاً ولم يُسَمِّ الله تعالى نفسه جسماً ولا سماه بذلك رسوله.

فإن قيل: لمّا جاز أن يقول: إنه شيء لا كالأشياء؛ جاز أن يقول: جسماً لا كالأجسام.

والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن قولنا: شيء؛ عبارة عن وجوده لا عن كيفيته، وقولهم: جسم، عبارة عن كيفية.

الثاني: نقول: إنه شيء لأنه سمى نفسه شيئاً، ولم يقل جسماً، لأنه تعالى لم يُسَمِّ نفسه بذلك ولا سماه به رسوله.

ولا حجب ذلك اليوم إلا بعدم الرؤية

فصلٌ

والدلالة على السالمية قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] ولا حجب ذلك اليوم إلا بعدم الرؤية.

فإن قيل: الحجب لا يكون إلا عن رؤية متقدمة، والدليل على قولهم: حجب فلان عن الأمير.

قيل له: ليس المراد به على أنه رآه ثم حجب، ولا يجوز أن يقال: إن الحجب عن شيء غير الله من ثواب ورحمة وجنة؛ لأن ذلك يفضي إلى ترك الظاهر بغير دليل.

والدليل الثاني: أنه قد ثبت رؤية المؤمنين له تعالى على وجه الثواب لهم؛ لأنه وعدهم بذلك ترغيباً لهم في طاعته، وحجب الكفار عنه تهديداً لهم وانتقاماً على معصيتهم، ولو جوزنا رؤية الكفار للباري تعالى كما يراه المؤمنون لبطل على هذا التقدير الوعد والوعيد، والتي غيب الله تعالى في علمه من النعيم والتهديد، وإذا كان كذلك ثبت أن الكفار لا يرونه تعالى.

فإن قيل: المؤمنون يرونه رؤية طائع، والكافرون يرونه رؤية عاصٍ.

والجواب: هو أن الرؤية لا تختلف في حق المؤمن والكافر؛ لأنها تتعلق بالمرئي لكونه موجوداً، أو على أخص صفاته، وأي الأمرين قُدِّر من ذلك فإنها مماثلة، إذا كانوا متعلقين بمتعلق واحد.

فإن احتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، وغير ذلك من الآيات الواردة في ذلك.

والجواب: هو أنه لا دلالة فيه على إثبات رؤية الكفار؛ لأن الله تعالى أمر الملائكة أن يقفوهم، والحق تعالى لا يكلمهم لأنه قال: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٧٤].

وأن الله تعالى يرى في القيامة، يراه المؤمنون ويحجب عنه الكافرون

فَصْلٌ

وأن الله تعالى يُرى في القيامة، يراه المؤمنون ويحجب عنه الكافرون.

وقالت المعتزلة ومن وافقهم أنه لا يرى في القيامة ولا غيرها. وقالت السالمية: يراه المؤمنون والكافرون.

دليلنا على المعتزلة: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣]، فوجه الدليل: أنه تعالى ذكر النظر وقرنه بالوجه، وعداه بحرف الجر، وذلك يقتضي نظر العين عند جميع أهل اللغة.

والدليل عليه قول الشاعر:
انظـر إليّ بـوجهٍ لا خفـاءَ بـه أُرِيكَ تاجاً على ساداتِ عدنانِ.

فإن قيل: معنى قوله: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ يعني: ناظرة إلى ثواب ربها؛ إذ من الجائز حمله عليه.

والجواب على ذلك من وجوه كثيرة: أحدها: أن هذا مجاز، وحمل الكلام على الحقيقة أولى من حمله على المجاز.
الثاني: أنه لا فائدة في نظرها إلى الثواب؛ لأن الجنة لا يراد منها النظر دون غيره من الأكل والشرب واللباس والتمتع؛ لأن النظر من غير بلوغ المنظور إليه يعني بلوغاً إليه يُكسب حسرة وغصة، وإنما هي دار نعيم وتنعم.

فإن قيل: معنى قوله تعالى: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أي: منتظرة لثواب ربها.

والجواب: هو أن هذا تأويل فاسد من وجهين: أحدهما: أن الانتظار يكسب العناء والغصة، والجنة ليست بدار حسرة وغصة.
الثاني: أن هذا التأويل باطل من جهة اللغة، لأنه يقال: نظرتُ إلى زيد، ولا يقال: انتظرتُ إلى زيد، فيُعدّون النظر بحرف الجر، ولا يُعدّون الانتظار به.

فإن قيل: لا يمتنع أن يقترن النظر بالوجه ويعدى بحرف الجر، ويقتضي ذلك نظر العين.

الدليل عليه قول الشاعر:
ويوم بـذي قـارٍ رأيتُ وجوههـم إلى المـوتِ من وقع السيوفِ نواظرُ.

وقال آخر:
وجـوهٌ نـاظراتٌ يـومَ بـدرٍ إلى الرحمنِ تنتظرُ الفلاحَا.

ومن المعلوم أنهم غير ناظرين إلى الرحمن.

والجواب: هو أن الأصل في النظر اقتضاء نظر العين؛ إلا أن فيها مضافاً مقدراً محذوفاً، فتقدير قوله: "ويوم ذي قار رأيت وجوههم إلى الموت"، معناه: إلى أسباب الموت، ولا شك أنهم كانوا ينظرون إلى الطعن والضرب الذي هما من أسباب الموت.

وكذلك قوله: "وجوه ناظرات يوم بدر إلى الرحمن"، معناه: إلى نصرة الرحمن بالملائكة؛ لأن الله تعالى كان قد وعدهم بالنصرة يوم بدر، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧].

دليلٌ ثان: قوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، قال المفسرون: إن الحسنى هي الجنة، والزيادة هو النظر إلى وجه الله تعالى.

دليلٌ ثالث: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «هل تشكون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟»، قالوا: لا يا رسول الله، قال: «فكذلك لا تشكون في رؤية ربكم». وقد ورد ذلك من طرق كثيرة بألفاظ مختلفة ومعاني مؤتلفة.

دليلٌ رابع: إن المصحح لرؤية الشيء وجوده مع ارتفاع الموانع، ولا مانع في الجنة يمنع من رؤيته، لأن الخلق يكونون في الجنة على صفة البقاء.

دليلٌ خامس: أنه قد ثبت أنه رائي لنفسه، ولا يؤدي ذلك إلى تجويز محال في صفته أو في صفة غيره، فكذلك جاز أن نراه.

واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣].

والجواب عن ذلك: هو أن الآية حجة على المخالف؛ لأن نفي الإدراك لا يكون إلا عن رؤية. الدليل عليه قولهم: لا يدرك فلان العلم، معناه: نال منه ولم ينل جميعه.

وجوابٌ آخر: وهو أن معنى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَٰرُ﴾ أي: تراه ولا تدركه ولا تحيط به، ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَٰرَ﴾ أي: يراها ويحيط بها.

وجوابٌ آخر: وهو أنه لا تدركه الأبصار بجملة عظمته، بحيث أن يحيط النظر من الناظر على جميع ذات الباري، ولا يلزم من عدم إحاطة النظر على جميع ذاته عدم إحاطة النظر على بعض ذاته، إذ من الجائز أن يدرك بعضه ولا يحيط النظر بجميعه، وذلك لا منع فيه ولا إنكار، ضرورة وجود ذلك في الشاهد والحقيقة.

واحتج أيضاً: بقوله تعالى: ﴿لَن تَرَىٰنِى﴾ [الأعراف:١٤٣]، ولو كانت الرؤية جائزة لكان قوله تعالى: ﴿لَن تَرَىٰنِى﴾ تركيب المعنى عليه باطلاً.

والجواب: أن هذه الآية على إثبات الرؤية؛ لأن موسى عليه السلام سأله ذلك، ولو كان غير جائز لما جاز لموسى أن يسأله ذلك؛ لأن الله تعالى لم يبعث نبياً إلا وهو عالم بما يجوز عليه، ولأنه لا يجوز أن يسأله رؤيته وهو شاك في ذلك، هل يجوز ذلك عليه أم لا؟؛ لأن ذلك يؤدي إلى تجهيل موسى عليه السلام، وإذا ثبت جواز رؤية موسى له ثبت رؤية غيره له.

فإن قيل: إن موسى عليه السلام إنما سأل الرؤية لقومه لأنهم قالوا: أرنا الله جهرة.

والجواب: هو أنه لو كانت رؤية الله غير جائزة لم يجز أن يسألها موسى لنفسه ولغيره، وكان يجب عليه أن يرد عليهم قولهم ويجهلهم في ذلك، كما رد قولهم: ﴿ٱجْعَل لَّنَآ إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨].

فإن قيل: قوله: ﴿أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] معناه: أعلمني اضطراراً؛ لأن الرؤية قد تكون بمعنى العلم.

والجواب عن ذلك: هو أن هذا سؤال فاسد؛ لأن الرؤية إذا كانت بمعنى العلم لا تُعدَّى بحرف، وإنما يُعدَّى بحرف الجر رؤية العين.

وجوابٌ آخر: وهو أن معنى قوله: ﴿لَن تَرَىٰنِى﴾ أي: لن تراني في الدنيا، و﴿لَن تَرَىٰنِى﴾ أي: لن تراني محدوداً.

واحتج بأن قال: لو كان مرئياً لكان جسماً محدوداً مقابلاً.

والجواب: هو أنه قد ثبت كونه رائياً لنا، وليس بجسم ولا مقابل ولا محدود، وكذلك نراه، وإن كان ليس بجسم ولا مقابل ولا محدود.

وجوابٌ آخر: وهو أنه قد يقابلنا ما لا نراه، وهم الملائكة والجن، ونرى ما لا نقابله وهو الجوهر والأعراض، فبطل أن يكون نفي المقابلة يدل على نفي الرؤية.

واحتج أيضاً بأن قال: لو كان مرئياً لكان في جهة، أو حالاً فيها، أو فيما هو في جهة.

والجواب: هو أن هذا يبطل بالأعراض من الألوان المرئية؛ فإنها ليست في جهة، فلا يصح وصفها بذلك؛ لأنه وصف لموجود بأنه في جهة متحيز فيها، وشاغلاً لها، والأعراض لا تتجزئ في محلها ولا يشغله عن جواز وجود غيرها.

وكذلك أيضاً، لو كان من شرط المرئي كونه حالاً فيها، أو هو في جهة، لوجب أن لا يصح رؤية الشيء من الجواهر والأجسام؛ لأنها ليست بحالة فيها، ولا هو بحال فيما هو في جهة، ولا يصح وصفها بذلك، وإذا كان كذلك بطل ما قالوه.

والدلالة على أن الله تعالى على العرش خلافاً للأشعرية في قولهم: ليس هو على العرش

فَصْلٌ

والدلالة على أن الله تعالى على العرش خلافاً للأشعرية في قولهم: ليس هو على العرش.

والدليل على قولنا إنه على العرش: قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] الآية، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وغير ذلك من الآيات الدالة على ثبوت مدعانا.

فإن قيل: الاستواء عائد إلى العرش فيكون معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾.

فالجواب عنه من أربعة أوجه: أحدها: أنه أقرّ بهذا السؤال على أنه تعالى في جهة العلو وهو لا يقول به.

والجواب الثاني: أنه لو كان الأمر كما ذكرتم لكانت القراءة برفع الشين أَوْلَى ويكون أصلاً فيه، وكان يجب أن يكون «على» فعلاً، فلما أجمع المسلمون على أن القراءة بخفض العرش، وعلى أن ذلك هو الأصل، وأن حرف «على» في هذا الموضع حرف جر، فدل ذلك على بطلان ما ذكروه.

والجواب الثالث: هو أن أم سلمة سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فقال ﷺ: «الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة».

ومن المعلوم أن كيفية الاستواء على العرش غير مجهولة، لأنه قد ورد صفة استوائه في الآثار والأخبار، وإنما صفة استواء الباري جل جلاله غير معقولة؛ لأن صفات الباري لا تكيف.

فإن قال القائل من المعتزلة والأشعرية: معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أي: استولى واحتوى، ومنه قول الشاعر:
قد استوى بشرٌ على العراقِ من غير سيفٍ ودمٍ مهراقِ.

فالجواب: أنه لا يجوز حمله على ذلك؛ لأن الاستيلاء لا يوصف به إلا من كان عاجزاً مغلوباً ثم قدر عليه من بعد ذلك. قال النابغة:
ألا لِمثلك أو من أنت سابقه سبق الجواد إذا استولى على الأمدِ.

وجوابٌ آخر: وهو أن لفظ الاستيلاء لا يستعمل في لغة العرب إلا أن يكون للمستولي مضاداً ومغالباً، فأيهما غلب قيل إنه استولى عليه، والبارئ تعالى لا مضاد له في ملكه. قيل ذلك من ابن الأعرابي، وهو من علماء أهل اللغة.

وجواب آخر: وهو أن الاستواء في اللغة عبارة عن الارتفاع على الشيء، قال تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: ٢٩، فُصلت: ١١]، ولا يجوز حمله على الاستيلاء؛ لأنه يقال في اللغة: استولى فلان على الشيء، ولا يقال: استولى إلى الشيء.

دليلٌ آخر: ما روي أن رجلاً من الصحابة أتى النبي ﷺ بجارية أعجمية ليعتقها في كفارته، فقال لها النبي ﷺ: «أين الله؟»، فأشارت إلى السماء، فقال لها النبي ﷺ: «من أنا؟»، فقالت: أنت رسول الله، فقال النبي ﷺ: «أعتقها فإنها مؤمنة»، فمن الخبر ثلاثة أدلة: أحدها: أنه قال: «أين الله؟». وعندهم لا يقال: أين الله؛ لأن عندهم أن الباري تعالى ليس في مكان.

دليلٌ ثان من الخبر: أن الجارية أشارت إلى السماء، فثبت أن الله تعالى على العرش، وأقرها النبي ﷺ على ذلك.

دليلٌ ثالثٌ من الخبر: على أنه جعلها باعترافها بذلك؛ مؤمنة.

وعند الأشعرية: أن من قال: إن الله تعالى على عرشه؛ فهو كافر.

دليلٌ آخر: ما روي عن النبي ﷺ أنه قيل له: أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: «كان على العرش»، فقيل: أين كان قبل أن يخلق العرش؟ فقال: «كان في عماء؛ فوقه ماء وتحته هواء». والعماء هو السحاب.

دليلٌ آخر: أن الأمة أجمعت مؤمنها وكافرها على أن الله تعالى فوق العرش، فيقولون كلهم: الله تعالى في السماء، ويشيرون في دعائهم ومسألتهم إلى السماء، ويقصدون بذلك أن الله تعالى على عرشه، ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يٰأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يٰهَامٰنُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلٰهِ مُوسَىٰ﴾ [غافر: الآية ٣٦-٣٧]، والنمروذ عمل السرير على أجنحة النسور وصعد إلى السماء، وكان كل ذلك باعتراف منهم بأن الله تعالى على عرشه، وقال شاعر الجاهلية:

يا عَبلُ أَينَ مِنَ المَنِيَةِ مَهرَبي إِن كانَ رَبّي في السَماءِ قَضاها.

فمعناه: على السماء قضاها. والأشعرية لم يعترفوا بذلك.

واحتجوا بقولهم: إنكم إذا قلتم: إن الباري تعالى على العرش؛ أفضى ذلك إلى تحديد الباري، وأنه منزه عن ذلك.

والجواب: هو وأنَّا وإن قلنا: إنه على العرش، ولكن لا نقول على أن العرش حد له، ولا محيط بذاته حتى يفضي إلى ما ذكرتم، ولم يخلق العرش لحاجة، ولا له إليه حاجة؛ لأنه تعالى حامل للعرش ولحملة العرش، وإنما خلقه ليتوصل به إلى معرفته، وفي ذلك حكاية حسنة، وذلك أن ذا النون المصري رحمه الله سُئل فقيل: ماذا أراد الله تعالى بخلق العرش؟ فقال: «أراد به أن لا تتيه قلوب العارفين».

فإذا تقرر هذا من مذهبنا، فنقول: الباري على العرش، وإنما قلنا: إن الباري على عرشه إيماناً بكتاب الله، وتصديقاً لتنزيل الله، ولقول رسوله، ولا نحمل ذلك على مجرى عقولنا كما يحمله المخالف على عقولهم دون الكتاب والسنة، وعلى أنه إن كان هذا من معتزلي فالتحديد بهم أشبه؛ لأنهم يقولون: إن الدنيا تحصر ذات الباري، وأن ذاته في أجواف النمل والوحوش، وتوطأ بالأرجل، وفي أجواف النسور، وهذا هو نفس التحديد، وإن كان من أشعري فعنده أن معبوده قد ضاع؛ وذلك لأن عنده أن الله تعالى ليس على العرش، ولا هو في السماء، ولا هو في الأرض، ولا يدري أين الله تعالى، وما هذا صفته فهو عدم أو معدوم.

واحتج المعتزلة أيضاً: بقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِنْ ذٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، وبقوله: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمٰوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣]، وإلى مثل ذلك من الآيات الدالة عليه.

والجواب: هو أن ابن عباس رضي الله عنهما فسر ذلك وقال: هو على عرشه وعِلمه في كل مكان، ولا يخلو من عِلمه مكان.

وأما قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمٰوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾، فأهل القرآن أجمعوا على أن الوقف عند قوله: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمٰوَاتِ﴾، ويبتدئ بقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ يعني: أن عِلمه في الأرض، وذاته على العرش.

فإن احتج محتج من الأشعرية بأن قال: لو كان في جهة، أو ما يقدر تقدير الجهة لوجب أن لا يتخصص بها؛ لئلا يكون تخصيصه بالجهة التي حصل بها دون غيرها، والدليل عليه أنه لما كان الجوهر يصح حصوله في الجهات، أو ما يقدر تقدير الجهات، لم يصح أن يتخصص بها بالجهة التي حصل فيها؛ لئلا يكون تخصيصه بها دون ما سواه. وإذا كان كذلك فلو كان الباري تعالى في بعض الجهات، أو ما يقدر تقديرها لوجب أن لا يكون حاصلاً فيها إلا بمعنى تخصيصه فيها، وهو كون الذي يقتضي وصفه بأنه كائن فيها، ويمنع بحصوله فيها من وجود غيره بها، ولو كان كذلك لوجب مماثلة كونه تعالى الذي حصل بها الأكوان المحدثة؛ لأنه لو قدرنا حصول بعض الجواهر في الجهة التي حصل فيها القديم سبحانه وتعالى، لوجب أن لا يحصل فيها لئلا يكون تخصصه بها دون غيرها من الجهات.

والجواب: هو وأنا وإن قلنا: إن الباري على عرشه، وأن العرش على السموات السبع، ولكن لسنا نقول جهة ولا غيرها؛ لأنا لا نثبت صفات الباري بقولنا، وإنما نثبتها توقيفاً وشرعاً، والقرآن إنما ورد باستوائه على عرشه فنقول كما قال، ونمسك عما لم يقل، اتباعاً للشرع والسُنة.

جوابٌ آخر: هو أنا وإن قلنا في جهة العلو، لم يلزم ما ذكر من الحد؛ لأن ما ذكر من الحد والصفة فهو صفة كون الأجسام والجواهر والأكوان، والباري تعالى ليس بجسم ولا جوهر ولا عَرَض، بل هو شيء ليس كالأشياء.

جوابٌ آخر: وهو أنهم وصفوا الباري تبارك وتعالى بصفات الجواهر، وذلك أن حد الجواهر على ما قاله المتكلمون في حده: أنه ما يشغل حيزاً، فحدَّوا الباري تعالى بحد الجواهر، وذلك محال.

جوابٌ آخر: وهو أنه إذا ثبت أن الجوهر ما يشغل حيزاً، لم يكن تخصص غيره بكونٍ من الأكوان، أو في الأكوان والمكان ما يوجب اتصال الجوهر به، ولا وجوده قائماً به؛ لأنه قد ثبت في أصولهم أن الجوهر ما لم يشغل حيزاً على ما قالوه من هذا الوجه.

وأن لله ﷻ عرشاً وكرسياً، وأن الله على عرشه، بائن من خلقه

فَصْلٌ

وأن لله ﷻ عرشاً وكرسياً، وأن الله على عرشه، بائن من خلقه.

وقالت المعتزلة والأشعرية: ليس لله ﷻ عرش ولا كرسي، والمراد بذكر العرش جميع الملك. ثم اختلفوا من بعد ذلك في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. فقالت المعتزلة: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ معناه: استولى. وقالت الأشعرية: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فيجعلون الاستواء عائداً إلى العرش، لا إلى الله تعالى.

وعندهم أن الله تعالى ليس هو على العرش، ومذهبهم أنه تعالى ليس في مكان ولا يخلو منه مكان.

والدليل على إثبات العرش والكرسي، وأنه ليس المراد به جميع الملك قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٧٥]. فوجه الدليل من الآية قوله: ﴿مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ وما كان حول العرش يكون خارجاً عنه، ألا ترى قولهم: طفت حول البيت؛ والمراد منه خارج البيت بالإجماع، فإذا قالوا بأن العرش والكرسي جملة الملك، فقد أثبتوا على أن الملائكة خارجين عن الملك، وهذا قول فاسد بإجماع الأمة.

دليلٌ ثان: قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤، يونس: ٣، الحديد: ٤]، فلو كان المراد بالعرش جملة الملك، لكان تقدير الآية أنه لم يستو ولم يحتوِ على المملكة إلا بعد خلق السموات والأرض؛ لأن حرف «ثم» يقتضي الترتيب والمهلة والتراخي بإجماع أهل اللغة، وفي إبطال ذلك دليلٌ على أن العرش والكرسي من جملة المملكة لا جميعها على ما يقوله المخالف.

دليلٌ ثالث: ما روي عن النبي ﷺ أنه سُئل: أين كان ربنا قبل أن يخلق العرش؟ فقال: «في غمام؛ فوقه ماء وتحته هواء، ثم خلق العرش» وذكر الحديث بطوله.

دليلٌ رابع: أن العرش في اللغة عبارة عن المعرَّش على غيره، والعالي عليه، فلهذا سموا كل مكان عالٍ عرشاً، قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]، وقول أهل اللغة: فلان رفيع العرش، فثبت بهذا الدليل أن في المملكة ما عرش عليها وعلا عليها، وعندهم أن جميع المملكة تسمى عرشاً، وهذا جهل بمكان اللغة.

فإن احتجوا بأن الكرسي في اللغة عبارة عن الملك.

قلنا: هذا غير سائغ في اللغة، والدليل على صحة هذا أنه إذا قيل: لفلان كرسي، فليس المراد به الملك أصلاً، وإن ورد ذلك فيكون بطريق المجاز لا بطريق الحقيقة، ولا يلزم من ثبوت الحكم بطريق المجاز أن يكون ذلك ثابتاً بطريق الحقيقة لأنه لا قائل به.

وأن أسماء الله تعالى جميعها غير مخلوقة

فَصْلٌ

وأن أسماء الله تعالى جميعها غير مخلوقة، أسماء الذات كقوله تعالى: أحدٌ، فردٌ، صمدٌ، وإلى غير ذلك، وأسماء الأفعال كقوله تعالى: خالقٌ، رازقٌ، ومحيي، مميتٌ، وما كان في معناه.

وقالت الأشعرية: أسماء الذات قديمة، وأسماء الأفعال مخلوقة. وقال ابن فورك من الأشعرية: جميع الأسماء مخلوقة، سواء كانت أفعالية أو ذاتية. وقالت المعتزلة: جميع الأسماء مخلوقة كما قال ابن فورك.

دليلنا على المعتزلة: هو أن أسماء الله تعالى لو كانت مخلوقة لجاز أن يقال بأن الباري سبحانه وتعالى كان غير مسمى في قدمه بشيء منها، ولو جاز ذلك لجاز أن يقال: إنه لم يكن متوحداً في قدمه ثم توحد؛ إذ لا يجوز وجود الصفة مع عدم الاسم، وإذا قال: إنه تعالى غير مسمى في قدمه بهذه الأسماء لوجب على هذا التقدير حدث الصفات، وهذا ظاهر الفساد.

وأيضاً فإن الأسماء لو كانت محدثة فلا تخلو إما أن يكون أحدثها الباري جل جلاله في ذاته أو في ذات غيره، أو أحدثها في أنفسها، فلا يجوز أن يكون أحدثها في ذاته؛ لأن ذات الباري تعالى ليست بمحل للحوادث، ولا يجوز أن يكون أحدثها في ذات غيره؛ لأنه لو جاز ذلك لجاز أن يسمى بها من أحدثها في ذاته، فكان أن يقال له: أحدٌ، فردٌ، صمدٌ، فيؤدي ذلك إلى أن يكون نظيراً للباري تعالى، وأنه ممتنع بإجماع الأمة. ولا جائز أن يكون أحدثها في أنفسها؛ ضرورة كونها لا تقوم بأنفسها، إذ قد بينا أن الاسم صفة للمسمى، والصفة على هذا التقدير لا تقوم بغير الموصوف، وإذا بطلت هذه الأقسام ثبت قدمها بكل حال، وفيما ذكرناه دليل على الأشعرية.

فإن قالوا: إذا قلتم بأن أسماء الأفعال قديمة أفضى ذلك إلى أن يكون خالقاً ورازقاً ومحيياً ومميتاً فيما لم يزل، ولو جاز ذلك لبطل تفرده بالقِدَم، وإذا بطل هذا ثبت أنها محدثة.

والجواب: هو أن هذا يوجب أن يكون عنده أسماء الذات قديمة لوجود معانيها في القِدَم، وهو لا يقول بذلك.

وأما ما ذكروه من الاعتراض في أسماء الأفعال، فلا يمتنع أن يسمى الشيء باسم الشيء إذا تحقق وجوده منه في الثاني، وإن لم يوجد منه في الحال. الدليل عليه هو أن العرب تأخذ السيف من بين يد الصيقل فتهزه وتقول: هذا سيف قطوع، فتصفه لتحقق وجود ذلك في الثاني وإن لم يوجب القطع في الحال، وكذلك ترى خبزاً كثيراً وماءً كثيراً، فتقول: خبز مشبع، وماء مُرْوٍ، فتصفه في الحال لتحقق وجوده في الثاني، وكذلك الباري تعالى يجوز أن يسمى بهذه الأسماء في قِدَمه لتحقق وجودها في الثاني.

فإن قيل: إذا قلتم: إن الأسماء قديمة أفضى ذلك إلى أن يكون ثمَّ قديمان، وإذا أفضى إلى ذلك أفضى إلى أن يكون لنا ربان، وأنه محال.

والجواب: أنه ليس إذا ساوت الصفة الموصوف من وجه يجب أن تساوي من جميع الوجوه؛ ألا ترى أن صفات أحدنا تساويه في كونها محدثة مثله، ولن تساوه في كونها حيواناً ولا إنساناً، فكذلك أسماء الله تعالى ساوته في كونها قديمة، ولم تساوه في كونها أرباباً، وقد استوفينا الكلام في ذلك في كتابنا الكبير، والغرض هاهنا الاختصار.

الاسم للمسمى، وقال بعض أصحابنا: الاسم صفة للمسمى، وقال آخرون: الاسم دال على المسمى

فَصْلٌ

الاسم للمسمى. وقال بعض أصحابنا: الاسم صفة للمسمى. وقال آخرون: الاسم دال على المسمى. والجميع واحد؛ لأن الصفة للموصوف، والعِلم للعالِم. قال الإمام أحمد رحمه الله: أسماء الله تعالى منه وله. وقالت المعتزلة: الاسم غير المسمى.

وقالت الأشاعرة: الاسم هو المسمى، ومن الأشاعرة من يقول مثل قولنا.

دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فأضاف الاسم إليه بالاستحقاق، والشيء عند جميع أهل اللغة لا يضاف إلى نفسه.

دليلٌ ثان: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة»، ولو كان الاسم هو المسمى لكان تسعة وتسعين رباً.

دليلٌ ثالث: أنه لو كان الاسم هو المسمى لكان إذا قال القائل: العسل؛ يمتلئ فمه عسلاً، وكذلك لو قال: النار؛ يحترق بتسميته فوه، ولم يقل ذلك أحد.

دليلٌ رابع: أن الاسم لو كان هو المسمى، لكان إذا قال: زيد، أن يكون زيد بالحضرة، وكان يجب لما ذكر الله موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء في الكلام القديم، أن يكونا موجودين في القدم لديه، ولم يقل ذلك أحد، وفيما ذكرناه دليل على الأشعرية.

والدلالة على المعتزلة: هو أن الاسم لو كان غير المسمى لوجب أن يفارقه؛ لأن حقيقة الضدين عندهم ما جاز مفارقة أحدهما وعدم الآخر، فيجيء على قول هذا القائل أن يكون الله تعالى في قدمه غير مسمى بواحد ثم توحد، وهذا القول ظاهر الفساد.

واحتج أيضاً من ينصر مذهب الأشاعرة بأن قال: الاسم هو المسمى بدليل قوله تعالى: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ﴾ [مريم: ٧] ثم قال: ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، فخاطب الله تعالى اسمه يحيى بقوله: ﴿خُذِ الْكِتَابَ﴾ فدل على أن الاسم هو المسمى.

والجواب: هو أن المراد به مسمى "يحيى" لا نفسه عند الخطاب، والدليل على صحة هذا التأويل أنه قال: ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾، والفعل لا يتأتى من الأسماء، وإنما يتأتى من الفعل، وإنما اختص النداء بالأسماء لأنه ينبه المسميات على قصد المنادي.

واحتج أيضاً بقوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ [يوسف: ٤٠].

والجواب: هو أنه لا شك فيه أن المراد به المسميات، التي هي الأصنام والملائكة وغير ذلك مما عبدوه من دون الله، والأسماء ليست بأشخاص، والذي يبين صحة هذا ويوضحه هو أن قول القائل بأن فلاناً يعبد الله؛ ليس المراد منه يعبد اسم الله، وإنما المراد منه يعبد المسمى، وهذا لا إنكار فيه.

واحتج أيضاً بقول الشاعر وهو لبيد:
إِلى الحَولِ ثُمَّ اِسمُ السَلامِ عَلَيكُما وَمَن يَبكِ حَولاً كامِلاً فَقَدِ اِعتَذَر

والجواب عنه من وجوه كثيرة، نذكر بعضها: أحد تلك الأجوبة: هو أن أبا عبيدة وجماعة من أهل اللغة قالوا: إن المراد به: ثم السلام عليكما، فعلى هذا القول لا حجة للقائل فيه والمحتج به لأنه إغراء، فالتقدير: عليكما السلام والزما السلام، وهو بمنزلة قولهم: عليك زيد، أو بمنزلة قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، كما قال الشاعر:
أيهـا الـمـائـح دلـوي دونـكـا إنـي رأيـت الـنـاس يحمـدونـكـا

وأراد بذلك: دونك دلوي.

فكذلك: ثم السلام عليكما، ثم عليكما السلام، بمعنى: الزما طاعة الله، فهو كقوله ﷺ: «أوصيكم بالله فإنه لفقركم وفاقتكم»، فمعناه: الزموا طاعة الله.

وجوابٌ آخر: وهو أنه قصد بقوله: "ثم السلام عليكما"، يعوذهما باسم الله تعالى، كما يقول القائل لما يعجبه: اسم الله عليك، يريد بذلك أن يعيذه باسم الله تعالى.

وجوابٌ آخر: وهو أنه أضاف الاسم إلى السلام، فلو كان الاسم هو المسمى لكان قد أضاف الشيء إلى نفسه، وأنه محال لكونه لم يقل ذلك أحد من أهل اللغة.

واحتج المخالف أيضاً: بأن قال بأن سيبويه قال في أول كتابه: إن الفعل أمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء، والأسماء لا أحداث لها، فدل على أن الاسم هو المسمى.

والجواب: هو أن سيبويه أراد بهذا القول على أن أسماء الأفعال أفعال أخذت من أحداث المسميات، لا أن الاسم هو المسمى؛ إذ قد ثبت عند جميع أهل اللغة أن الفعل حدث الفاعل، وليس هو حدث الأسماء؛ إذ الأسماء ألفاظ وأقوال.

وجوابٌ آخر: وهو أن أسماء الله تعالى صفاته، والصفة ليست هي الموصوف، ولا فرق عندنا بين التسمية والاسم؛ لأنه لما لم يفترق الحال بين قولنا: وصف وصفة، وأن الوصف هو الصفة؛ كذلك يجب أن لا يفرق بين قولنا: اسم وتسمية؛ لأن الاسم هو التسمية.

واحتج من نصر مذهب المعتزلة: بأن الاسم لا يخلو إما أن يكون هو الله، أو غير الله، ولا يجوز أن يكون هو لأن أسماءه كلام، وليست ذاته كلام؛ لم يبق إلا أن يكون غير الله.

والجواب: أن الاسم ليس هو الله، ولا هو غير الله، وإنما هو كالواحد من العشرة، لا هو العشرة ولا هو غيرها، بل هو لها، وكذلك صفات أحدنا ليست هي هو، ولا هي غيره، بل هي له.

وجوابٌ آخر: وهو أنه لو كان الاسم غير المسمى؛ لوجب أن يكون الباري سبحانه غير مسمى في قدمه بواحد، فإن جاز ذلك جاز لقائل أن يقول: إنه غير متوحد في القِدَم ثم توحد، وهذا هو الكفر بعينه.

📚 کتێبەکان